محليات

أموال السياسيين المهرَّبة إلى سويسرا.. ‘تبخّرت’

طلبت النيابة اللبنانية من هيئة التحقيق الخاصة التابعة لمصرف لبنان المركزي، بتاريخ 2 كانون الثاني 2020، التواصل مع السلطات السويسرية للكشف عن حجم الأموال المحولة إلى هناك منذ 17 تشرين الأول 2019، وما إذا كان مصدر الأموال مثار شبهة. واستناداً لذلك، فقد طلبت الهيئة من جميع المصارف في لبنان مراجعة حسابات شخصيات سياسية، ومسؤولين في القطاع العام، قاموا بتحويلات منذ التاريخ المذكور آنفاً إلى نهاية 2019.

تبع ذلك إعلان مصرف لبنان المركزي أنه يواصل التحقيق بشأن تهريب أموال خارج لبنان بعد انزلاقه في أزمة مالية كبرى. وحتى تاريخ اليوم، ما زلنا ننتظر دون طائل إجراءات ملموسة تعيد بعض الأموال المهربة، فيما يعاني اللبنانيون للوصول إلى ودائعهم.

تهريب الأرصدة
حين كانت البلاد، التي يبلغ دينها العام 166 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، معرضة لخطر التخلف عن السداد في أي وقت، قام جزء كبير من ساسة لبنان بتهريب معظم أموالهم إلى سويسرا، تاركين المودعين لمصيرهم. وهكذا فإن أموال هذه الفئة، التي تشكل الأكثرية الساحقة من أثرياء لبنان، وفق تقرير نشره موقع Globalwatchanalysis الفرنسي، المختص بتتبع الشؤون الأمنية ومحاربة الإرهاب والتطرف والفساد، تتبخر على شواطئ بحيرة جنيف وزيورخ.
لم يعد خافياً على أحد خسارة لبنان منذ زمن بعيد لقب “سويسرا الشرق الأوسط”. خصوصاً أن بيروت اليوم، حسب الموقع، لم تعد قادرة على الوفاء بديونها. واضطرت الدولة إلى طلب المساعدة الفنية من صندوق النقد الدولي، للتفاوض مع دائنيها بشأن إلغاء أو تأجيل قروضها، لا سيما من الصناديق الأنغلو ساكسونية.

أربعة مليارات دولار
تلقى مكتب العدل الفيدرالي في سويسرا بتاريخ كانون الثاني المنصرم، إنابة قضائية دولية من لبنان تطلب منه “المساعدة القانونية” في عمليات تحويل الأموال “المشبوهة”. وقد بينّت الأرقام الرسمية اللبنانية، أنه بين 17 تشرين أول 2019 و 14 كانون الثاني 2020، وصلت المبالغ المحولة إلى المؤسسات المالية السويسرية لحوالى 2.376 مليار دولار.

يضيف الموقع أنه كان من المقرر تهريب حوالى 300 مليون دولار بين أيلول و17 تشرين أول 2019، تاريخ إغلاق المصارف. فالنخبة السياسية اللبنانية، إدراكاً منها لخطورة الوضع، بدأت في اتخاذ إجراءات تهريب أموالها قبل اندلاع الأزمة، وكان ذلك يحدث جهاراً نهاراً. ووفقاً لوسائل الإعلام المحلية، تلقت جميع المصارف اللبنانية طلباً من لجنة الرقابة على المصارف للحصول على معلومات حول جميع التحويلات التي تمت إلى المصارف السويسرية، “بما في ذلك الفروع السويسرية للمصارف اللبنانية”.

في المجموع، تشير تقديرات الموقع أنه تم تحويل ما لا يقل عن أربعة مليارات دولار إلى الخارج، على الرغم من مزاعم القيود الرسمية الصارمة المفروضة على التحويلات المالية خارج البلاد.

مصير الأموال
تكافح مجموعات قانونية لبنانية، استجابةً لمطالب الشارع وثوار لبنان، منذ أشهرٍ، لمحاولة استرداد جزء من الأموال المهربة التي جُمعّت نتيجةً للفساد. لكن المشكلة تبقى، كما يكشف الموقع، بأن عمليات التحويل هذه نادراً ما تتم بأسماء الأفراد. وعادةً ما يختبئ الحكام والأثرياء وراء “شركات وهمية موجودة على الورق وحسب”، بحيث لا تظهر أسمائهم.

ويؤكد الموقع أن سويسرا لن تتمكن من حظر أي حسابات، إلا إذا نجح لبنان في إثبات أن الأموال هي أموال سوداء أو رمادية. وهذا يعني أنه تم كسبها بطريقة غير مشروعة (كأن يكون مصدرها فساد، مخدرات، إلخ..) أو أموال غير مصرح بها. والمؤسف أنه في جنيف وزيورخ ما يكفي من محامي الضرائب المخضرمين الذين يمكنهم دفن هذه القضايا لعقود. ولعل المثال الأبرز على ذلك، أصول الدكتاتور السابق لهايتي، جان كلود دوفالييه، الذي توفي عام 2014، وما زالت أمواله المخبأة تحت غطاء مؤسسة، مجمدة في سويسرا.

طلب مكتب العدل الاتحادي في برن من السلطات اللبنانية “معلومات إضافية ضرورية عن التحويلات، لكي تحصل على رد إيجابي”. وهنا يشير الموقع أن على بيروت التحلي بالصبر. فسويسرا، على سبيل المثال لا الحصر، رفضت منذ فترة طويلة تنفيذ الإنابة القضائية الفرنسية التي تضمنت عبارة “إساءة استخدام الأصول لشركة أو منظمة ما”. لأن هذه الجريمة لا وجود لها في سويسرا، حيث ما يعترف به القانون السويسري هو تهمة “الإدارة غير العادلة”. وربما قد يتكرر الأمر عينه إذا وصلت الإنابة القضائية اللبنانية إلى مكتب المدعي السويسري الناطق بالألمانية.

والجدير ذكره هنا، أن تسريبات “سويس ليكس” عام 2015، تضمنت قائمة بمئة ألف حساب مصرفي في الفرع السويسري لبنك “أتش أس بي سي”، يستعمل أصحابها نظام السريّة المصرفيّة المعمول به هناك للتهرّب الضريبي، وإخفاء مصادر الأموال المودعة. وفي هذه القائمة، حلّ لبنان في المرتبة 12، حيث ناهز الرصيد الإجمالي للعملاء اللبنانيين في هذه القائمة الـ5.8 مليار دولار، بينما بلغ رصيد أكبر حساب مملوك من شخص واحد على صلة بلبنان 236.6 مليون دولار. وقد تضمّنت اللائحة المذكورة أسماء كبيرة معروفة على الساحة اللبنانية.

المصدر : سامي خليفة – المدن