أخبار لبنان و العالم

أهالي العسكريين المخطوفين: مستعدون للتضحية بأرواح أبنائنا.. ولكن!

“الجمرة ما بتكوي غير محلها”، هو أكثر الأمثال الذي يحاكي ما يعيشه أهالي العسكريين المخطوفين من معاناة يوميّة وضياع في المجهول. بعد أسابيع قليلة، يصبح عمر المأساة ثلاث سنوات، وعمر الأمل كذلك. وهذا الأمل غير مستغرب ولا هو خارجٌ عن المألوف. وليس خياراً أو ترفاً أو واجباً. بالفطرة، يولد وينمو ويحيا في قلوب الأهالي المحروقة، فيستحيل بوصلة ومحرّكاً.

أمس، عاد الأهالي إلى الشارع، وهو سلاحهم الوحيد المضاف إلى سلاح الصمود وعدم الاستسلام، ورفعوا الصوت الذي فاض هذه المرّة قلقاً وخيبة وغضباً، فهم “في حال غليان”، كما يقول حسين يوسف، والد الجندي المخطوف محمود يوسف، مؤكداً أنّ الأمور متجهة نحو التصعيد، لا سيّما وأن المرحلة دقيقة وصعبة وحساسة للغاية.

وقبيل معركة الجرود المرتقبة، وبعد العملية النوعية التي قام بها الجيش اللبناني في عرسال مؤخراً، يغرق ملف العسكريين المختطفين لدى “تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في غياهب المجهول أكثر فأكثر، أقلّه برأي الأهالي المعلّقين “بحبال الهوا”، وحبال أمل مُستجدّ برز مؤخراً مع ظهور أحد “الوسطاء” الجدد وظهور معطيات جديدة كانت قد تقود إلى حلحلة أو تطمينات.

في حديث لموقع “لبنان24″، يقول يوسف أن الأهالي لم يتركوا وسيلة أو فرصة سانحة طوال السنوات الثلاث الماضية إلا ولجأوا إليها من أجل إحداث خرق في هذا الملفّ المتعلق بحياوات 9 عسكريين وكراماتهم وتضحياتهم. ويشير إلى انه من خلال كل الاتصالات التي كانت تُجرى وشبكة العلاقات التي بُنيت، استطاع الأهالي في الفترة الماضية الوصول إلى أحد الأشخاص ممن هم على علاقة بشخص موجود في عرسال، قيل أنه على اتصال بالتنظيم. وقال يوسف:” بطبيعة الحال، لا يمكننا كأهل إلا تلقّف الموضوع بإيجابية وعدم الاستخفاف أو إهمال أي خيط يمكن أن يؤدي إلى نتيجة ما، فقررنا المضي في الاتصالات ولا سيّما وأن الظروف كانت سانحة على ما يبدو، ووضعنا المعنيين في أجواء تحركاتنا لكن للأسف لم يتمّ التعاطي مع الموضوع بالشكل الذي كنا نتوّقعه أو نأمله، بل لمسنا مماطلات وإهمالا ربما لاعتبارات سياسية أو أمنية أو ماديّة لا نعرفها ولا تعنينا أصلاً كأهالي”.

وردّا على سؤال عمّا إذا كان يعتبر أن العمليات الأمنية الأخيرة في عرسال وما سيتبعها من “تنظيف للجرود”، على رغم أهميّتها وضرورتها، قد أساءت وسوف تسيء إلى قضية العسكريين، أجاب يوسف:” نحن دائما نقول “لا يصيبكم إلا ما كتب الله”، غير أننا نعم، قلقون من أن يذهب أبناؤنا ضحية المعركة، بخاصة وأنّ كل المعطيات تشير إلى تواجدهم في جرود القلمون لا في الرقة كما أشيع، وبالتالي يدفعون هم الثمن في وقت كان يُفترض على الدولة أن تضع ملفهم على رأس الأولويات، وتعمل على تحريرهم ومكافأتهم على تضحياتهم ودمائهم التي بذلوها”.

على هذا النحو، يعتبر يوسف أنّ من غير المنطقي اللجوء إلى حلّ مشكلة (الجرود) قبل حلّ مشكلة أكبر وأكثر خطورة، بل إنها متعلقة بكرامات الجنود الأبطال المختطفين. بحزن شديد تفضحه نبرة الصوت، يُقرّ بأن “للدولة اعتبارات وأولويات أخرى ربما، وهي من دون شكّ تختلف عن اعتباراتنا”، لكنه سرعان ما يعيد التذكير بأن التعاطي مع الملف منذ بجايته لم يكن على قدر المستوى المطلوب”.

ويقول يوسف كلاماً “وهو مرتاح الضمير” كما جاء على لسانه: “الخطأ بدأ منذ لحظة اختطاف العسكريين عقب حادثة عرسال آنذاك، والسماح بفتح الطريق للخاطفين لاحتجازهم، وهذا الخطأ تتحمل مسؤوليته قيادة الجيش متمثلة بقادة أمنيين كانوا في الميدان”.

أما الأخطاء الأخرى التي سُجلّت في السنوات الماضية، فتمثلت برأي يوسف “بالإصرار على التفاوض ضمن سلّة كاملة متكاملة، علماً أنه في بداية القضية، بدت الظروف سانحة لتحرير المتختطفين لدى داعش. ومع هذا، اتضح لاحقاً أن الدولة عاودت وفاوضت “بالمفرّق”، والحمداالله أفضى ذلك إلى تحرير المختطفين لدى النصرة. لكنني كنت دائماً أقول أنه لو كنت مكان الدولة وسنحت الفرصة أمامي لتحرير جندي واحد لفعلت من دون تردد، على أن أحرر الباقين تباعاً”.

ورداً على سؤال عن صحّة المعلومات التي تفيد بانشقاق أحد العسكريين والتحاقة بالتنظيم، قال يوسف: “نحن كأهالي لا يمكننا أن نضع هذا الأمر بخانة “الانشقاق” حتى لو كان “الانفصال” صحيحاً، لأننا نعرف الضغوطات الهائلة الممارسة عليهم، فرؤوسهم في فوهة المسدس”!

من الآن فصاعداً، التصعيد هو سيّد الموقف. يتفهم يوسف موقف الناس ويتحسس تعاطفهم، لكنه يعتبر أنّ هذه القضية كانت بحاجة إلى “وقفة عز” لا الاكتفاء بالبكاء وإظهار مشاعر الشفقة والتضامن.

ماذا لو اتُهمتم بالتشويش على معركة محاربة الإرهاب بسبب تصعيداتكم أو عرقلة عمل القوى الأمنية، يجيب يوسف بثقة: “لم نكن ولن نكون أبداً حجر عثرة أمام أي عملية تقوم بها القوى الأمنية في سبيل الحفاظ على الوطن وأرضه. نحن مستعدون للتضحية بأرواحنا وأرواح أبنائنا في حال سقطوا “كبش محرقة”، لكن هذا لا يجب أن يثنينا عن القيام بواجباتنا تجاه أولادنا. علينا أن نُفهم الدولة أنها تتحمل مسؤولية تقصيرها ومماطلتها طوال ثلاث سنوات”.

لعلّ أبلغ عبارة جاءت على لسان يوسف تقول: “اليوم يعيش موظف فاسد في إدارة فاسدة أفضل حياة، في وقت يترك عسكريون قدموا دماءهم على مذبح الوطن في أنياب الإرهاب والمجهول”.

ربيكا سليمان – لبنان 24

زر الذهاب إلى الأعلى