محليات

إنخفاض الدولار أبرز تداعيات الانفجار وانتشال الاقتصاد لم يعد مرتبطاً بالإصلاح..

إنفجار مرفأ بيروت واستقالة الحكومة خفضا الملف الاقتصادي والحياتي إلى المرتبة الثانية. ساعدهما في ذلك استقرار نسبي في سعر الدولار وارتفاع سعر صرف الليرة مقابله إلى حد يتراوح بين 6500 و7300 ليرة، تدفق المساعدات الدولية، واتاحة المجال باستلام التحاويل الالكترونية من الخارج بالعملة الاجنبية. هذه العوامل الظرفية أعطت أملاً بتحسن الوضع الاقتصادي، ودفعت إلى التساؤل ان كنا قد تجاوزنا المحنة؟ أم انه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

في الطب يقال إن الألم يبدأ بعد ان تبرد الضربة، كذلك الأمر بالنسبة إلى علم الاقتصاد. فالانفجار لم يغير بالمؤشرات السلبية شيئاً بل العكس زادها سوءاً، أما ايجابية استقالة الحكومة، فمن المؤكد انها ستتحول إلى سلبية وعنصر ضغط اضافي في حال العجز قريباً عن تشكيل حكومة بديلة تحوز على ثقة الداخل والخارج.

كلفة الفراغ الحكومي

منذ العام 2011 (تاريخ بدء تسجيل لبنان عجزاً في ميزان المدفوعات) ولغاية اليوم بلغت مدة الفراغ في السلطة التنفيذية نحو 4 سنوات و4 أشهر. نصف المدة الزمنية في 10 سنوات تولتها حكومات تصريف أعمال لا تملك القدرة على اصدار المراسيم والقرارات، والنصف الآخر مسك زمام أمورها حكومات يسودها الاختلاف وتنازع الصلاحيات، ولم تقدر على إنجاز اصلاح واحد مطلوب. الخسائر المادية التي نتجت عن هذا الواقع الشاذ كبيرة جداً. وإذا كان من المستحيل قياسها بشكل علمي دقيق، فـ”يمكننا القول انه لو لم يكن هناك تعطيل وفراغ حكومي، وكانت هذه الحكومات منتجة واستطاعت تصفير العجز في الموازنة واستخدامه في الاقتصاد، لكان بلغ الناتج المحلي الإجمالي نحو 150 مليار دولار أميركي”، برأي الخبير الاقتصادي جاسم عجّاقة. في المقابل فان الناتج القومي لم يتجاوز الـ 50 مليار دولار في السنوات الاخيرة الماضية. وهو ما انعكس بشكل مباشر على النمو الاقتصادي من جهة، وعلى نسبة الدين إلى الناتج التي تجاوزت 170 في المئة، ومن المتوقع ان تبلغ هذا العام ارقاماً قياسية بسبب التوقع ان يتراجع الناتج إلى حدود 15 ملياراً. وهذا ما يؤكد ان كلفة الفراغ الحكومي باهظة في الأيام العادية، فكيف إذاً كان البلد يعيش ازمة غير مشهودة، وانفجاراً قد تصل الخسائر الناجمة عنه إلى 30 مليار دولار؟

وهم تراجع الدولار

إرتفاع سعر صرف الليرة مقابل الدولار من حدود 10 آلاف إلى نحو 6700 ليرة يعتبر من وجهة نظر الاقتصاديين مجرد وهم لن يطول. فالسعر الذي كان من المتوقع ان يكون مضاعفاً بسبب استمرار سيطرة المؤشرات السلبية على الوضع الاقتصادي والفشل في التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، واستنزاف الاحتياطي الالزامي في مصرف لبنان، “إنخفض بسبب حالة الحرب التي يعيشها لبنان واقفال البلد وتدفق المساعدات الخارجية وتريث التجار في طلبيات الاستيراد”، تقول الباحثة الاقتصادية ليال منصور. وباعتقادها ان “خسارة المريض للوزن اذا كان في العناية الفائقة، لا تعني ابداً انخفاض شهيته على الطعام، فبمجرد خروجه سيعود إلى الاستهلاك كما كان”. أما بالنسبة إلى الوضع الاقتصادي العام فان المؤشرات التي تؤثر على سعر الصرف تكون في العادة مبنية بشكل مباشر أو غير مباشر على الثقة. وهذا ما نفتقد اليه بشكل مطلق. وبحسب منصور فان “دخول الدولار الطازج من الخارج في الوقت الذي كنا نعاني فيه من فقدان للعملة الصعبة، أعطى وهماً زائفاً للمواطنين بتحسن الاحوال. لان في الواقع الدولار لن ينخفض فعلياً، وهو سيعاود ارتفاعه بمجرد إعادة فتح البلد وتحرك الطلب”.

إيجابيات مشروطة

على المقلب الآخر يرى الخبير الاقتصادي فادي جواد ان انخفاض الدولار هو أول انعكاسات الانفجار. وبرأيه ان الدولار قد يصل نهاية الشهر إلى حدود 5 آلاف ليرة لسببين رئيسيين: الاول، هو تعميم مصرف لبنان الذي سمح لشركات التحويل الالكتروني دفع التحويلات النقدية من الخارج بالدولار، وهو ما انعكس زيادة في نسبة التحويلات بأكثر من 75 في المئة، وأوجد سيولة نقدية وعرضاً كبيراً للدولار. أما السبب الثاني، فهو وصول مساعدات نقدية إلى جمعيات المجتمع المدني والجمعيات الدولية العاملة على الاراضي اللبنانية بقيمة 150 مليون دولار طرحت في السوق خلال الايام العشرة الماضية.

لكن ألا تعتبر نتائج هذا التحول ظرفية إلى حين برود نتائج الانفجار؟ يجيب جواد بانه “في حال موافقة الاطراف السياسية الداخلية على الاجندة الدولية المرسومة بدقة وعناية فان المساعدات ستستمر. فالمجتمع الدولي انتقل إلى المرحلة 2 في التعامل مع لبنان. فلم يعد الشرط الاساسي والوحيد للحصول على المساعدات هو تطبيق الاصلاحات بل الموافقة على الاجندة الدولية المرسومة. وفي حال موافقة لبنان فان الأشهر المقبلة ستحمل انفراجات على المستوى الاقتصادي. وستكون أولى انعكاساتها ودائع من الدول الخليجية في المركزي بقيمة 4 مليارات دولار واستمرار التدفق في المساعدات العينية والمادية، وتسهيلات مادية قد تصل إلى حدود 17 مليار دولار”.

إنقاذ لبنان ليس هدفاً بحد ذاته بل هو نتيجة لتسوية أكبر على مستوى المنطقة. والبوارج المتقدة في البحر ليست من أجل لبنان فقط بل ان قدومها هو للضغط على تركيا وازاحة عينها عن نفط اليونان وقبرص، وقطع طريق الحرير الصينية التي تعبر في المنطقة وصولاً إلى حماية واستكمال إبرام تسويات ومعاهدات سلام، التي بدأت نتائجها في الظهور جلياً. أما لبنان الواقع على ممر الافيال فليس أمامه سوى خيارين: إما يُحيد ويُرفع على الشجرة وإما يُدعس. والاجابة الشافية في الآتي من الايام.