محليات

الأجور في لبنان لم تعد كافية للأكل والشرب.. الكلّ يريد حصّة من سعر صرف الدولار.. إليكم التفاصيل

منذ نحو “سنة” كان سعر الدولار يساوي 1690 ليرة، لكنه تضاعف اليوم أربع مرات ونصف المرة، ليبلغ 7500 ليرة، علماً بأنه بلغ ذروته في تموز الماضي حين سجّل 10 آلاف ليرة. نمط الانحدار في سعر الليرة كان عبارة عن خطوتين؛ قفزات كبيرة وتقلبات نسبية لاحقة ضمن مدى زمني يضيق تدريجاً. ظهرت تفسيرات «خنفشارية» تربط التحسّن الأخير بتكليف سعد الحريري رئيساً للحكومة، لكن الواقع هو أن الانحدار والتذبذب يعكسان عجز قوى السلطة، التي سيحكم باسمها الحريري، عن إدارة التفليسة. إنه سلوك منظومة تحتضر، وتَداعي لنموذج من دون بديل

«إن لبنان ليس بلداً مفلساً، لكن القطاع المالي يعاني تداعيات الأزمة الإقليمية التي يعجز لبنان عن التحرّر منها، فضلاً عن استهدافه ولمدة 3 سنوات بحملات تشويه منظمة استُخدمت أداةً للضغط في الانقسامات الاقليمية، إضافة إلى الخسائر العامة نتيجة تراكم عجز الحساب الجاري، وعجز الموازنة على مدى الأعوام الخمسة الماضية ما انعكس على سعر الصرف الوطني». بهذه العبارة يحاول حاكم مصرف لبنان تبرير المسار الانحداري المتواصل لسعر الليرة. بدا كأنه يشير إلى أن الانحدار مستمر بلا قعر واضح، أو حدود زمنية من عملة ذات قيمة ثابتة مقابل الدولار منذ كانون الأول 1997 لغاية مطلع 2019، ثم انهارت.

الحديث عن تثبيت العملة بوصفه «هدفاً» سقط، يُغفل، عمداً أو جهلاً، حقيقة أن أي عملة هي أداة يمكنها أن تكون أداة ضريبية، أو يصحّ استعمالها كمحفّز اقتصادي ضمن خطّة واضحة وأهداف اقتصادية واجتماعية. لكن ما يثير الشكوك أن الأمر قد لا يكون مجرّد تغافل من سلامة عن حقائق ثابتة علمياً، بل ربما هو مجرّد «خديعة» أو «تواطؤ» على الليرة والمودعين. ففي مؤتمر صحافي عقده في 11 تشرين الثاني 2019، قال سلامة كلاماً فقد قيمته بعد أسابيع: «إن هدف مصرف لبنان المحافظة على الثقة بالليرة اللبنانية، وهذا أمر أساسي. الليرة أداة لتأمين النموّ الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، ونسب التضخّم ترتفع والقدرة الشرائية تتراجع في حال تراجعت الليرة، النجاح هو في المحافظة على استقرار الليرة اللبنانية… نحن أمام مرحلة جديدة، وسنحافظ على الاستقرار في سعر صرف الليرة».

هذه كانت رؤية صانع الانتصارات النقدية. لم يطل الوقت قبل أن يصبح صانع الأوهام. فكل خيارات سلامة وخطواته منذ ذلك الوقت كانت تصبّ ضمن هدف واحد: تحطيم الليرة. هذا الهدف كان مجبولاً بخيارات واضحة؛ إفلات التضخّم وأسعار الصرف. بعملية الإفلات هذه كان هناك رهان ناقشه سلامة مع أكثر من طرف.

فمن جهة راهن سلامة على أن سعر الصرف سيؤدي إلى خفض الاستيراد. وبالتالي سيُعالج جزءاً من أزمة ميزان المدفوعات (الحساب الجاري هو جزء من ميزان المدفوعات الذي يمثّل صافي الأموال الوافدة إلى لبنان وتلك الخارجة منه، سواء على شكل سلع أو خدمات أو أي أشكال أخرى). بمعنى آخر، إن تضخّم الأسعار سيخفض القوّة الشرائية للمداخيل والتي تعهد سلامة بالحفاظ عليها في 11 تشرين الثاني 2019، وبالتالي سيخفض الاستيراد بما يؤدي إلى تقليص وتيرة النزف في العملات الأجنبية التي تموّل عمليات الاستيراد.

ومن جهة ثانية، كان الرهان على أن التضخّم الناجم عن انخفاض قيمة الليرة مقابل الدولار، سيفرض على مصرف لبنان ضخّ المزيد من النقود الورقية في السوق لتسديد ودائع الدولار الموجودة في المصارف بعدما تبخّرت (استُهلكت) هذه الدولارات فعلياً. وبالتالي تصبح الليرة أداة ضريبية لإعادة توزيع الثروة من أجل نقل قسم من حسابات الودائع لتمويل حسابات القروض. هذه كانت أقسى عملية اقتطاع يمارسها سلامة، أو يترك السوق يمارسها فيما هو زعم في مؤتمره الصحافي أن «حماية المودعين والودائع هي موضوع نهائي. نحن أخذنا ما يقتضي من الإجراءات كي لا تحدث خسائر يتحمّلها المودعون، ولن يحصل haircut (اقتطاع) فلا صلاحية قانونية لذلك».
إذاً، إن الاقتطاع عبر تضخّم الأسعار وإفلاس سعر الصرف وتحويله إلى أسعار متباينة في سوق واحدة، ليس اقتطاعاً. هذا هو مفهوم سلامة لمفهوم سعر الصرف وهو مفهوم مماثل للـ«هيركات»، سواء ارتضى بهذه التسمية أم امتنع عن ذلك، هذا هو الواقع.

لكن ليس ذلك أسوأ ما في الأمر؛ فرغم الرهانات، لم تتحقق الأهداف المرسومة. فقد بلغنا اليوم حدّاً كبيراً من انخفاض الاستيراد (6٫2 مليارات دولار في نهاية آب) إلى أقلّ من نصف ما كان عليه في الفترة المماثلة من السنة الماضية، لكن استمرّ العجز في ميزان المدفوعات، وتحديداً في حساب رأس المال. ففي نهاية آب سجل العجز التراكمي السنوي نحو 7.5 مليارات دولار، من بينها عجز بقيمة 3 مليارات دولار في تموز، و1.96 مليار دولار في آب. العجز يعبّر عن خروج الدولارات من لبنان، ومهما تعدّدت الروايات بشأن هذا العجز، إلا أنه يبقى واقعاً. إلى أين تخرج؟ من يستفيد منها؟ ما هو حجم التحويلات «الفريش» منها؟ هذه هي الأسئلة الذي لا يفصح عن إجابتها سلامة.

يثير هذا الواقع قدرة السلطة على محاسبة سلامة. فهو لم يُسأل بعد عن دوره في خلق أسعار عديدة للعملة في اقتصاد لبنان؟ أو عن الإجراءات التي اتخذها لحماية الليرة والمودعين؟ بأي أهداف قام بهذه العمليات؟ ففي نهاية 2019، تحوّل نموذج لبنان الاقتصادي، من سعر صرف ثابت تجاه الدولار، إلى سعر صرف بأجنحة عديدة متباينة غالبيتها متحرّك؛ هناك سعر صرف للشيكات، وسعر صرف للدولار الورقي أو المحوّل من حسابات خارجية أو ما سمّي «فريش»، وسعر صرف عند الصرافين تطوّر لاحقاً ليصبح سعر المنصّة الثابت، والذي يوازي 2.5 مرة السعر النظامي المثبت منذ 1997، وهناك سعر صرف لتسديد الدين كان يصل إلى 1520 ليرة مقابل الدولار الواحد، ثم بدأت المصارف تفرض عليه عمولة جائرة تصل إلى 20%، وهناك أيضاً سعر لتحويل الوديعة من الليرة إلى الدولار يساوي السعر الثابت القديم مضافاً فوقه عمولة أيضاً… بدلاً من سعر الصرف الثابت بات لدينا أسعار صرف متحرّكة غالبيتها مرتبطة بتقلّبات سعر السوق الموازية، أو بقرار مصرف لبنان.

جاءت هذه التطوّرات على مراحل، كان من أبرزها انكشاف تدخّل مصرف لبنان بائعاً وشارياً للدولار النقدي (فضيحة مديرية العمليات النقدية في مصرف لبنان) رغم أن سلامة ادّعى في مؤتمر صحافي في11 تشرين الثاني أن «مصرف لبنان لا يتعاطى بالأوراق النقدية بالدولار». ثم بات لاحقاً يموّل الصرافين بقيمة 900 ألف دولار «فريش» يومياً. رغم ذلك، يمارس الصرّافون عمليات البيع بحسب السعر في السوق الموازية، ولديهم شبكات في كل لبنان، ومنها شبكات افتراضية تسعّر الدولار بحرية تامة ومن دون أي شكوى من سلامة أو من مجلسه المركزي تجاه هذه العمليات.

لعلّ في هذا الأمر دلالة واضحة على أن شبهة «المستفيد» تصيب سلامة والمجلس المركزي من أسعار الصرف. فهم المسؤولون اليوم عن أن الأجور في لبنان لا تغطّي أكثر من 50% من قيمة السلّة الاستهلاكية للأسر، أي إن الأجور لم تعد كافية من أجل الأكل والشرب فقط.

رغم ذلك، يمارس سلامة تحويل الليرة إلى أداة ضريبية لأهداف ليست اقتصادية، بل تتعلق بإطفاء الخسائر في ميزانيته وفي ميزانيات المصارف أيضاً. هذه الأداة هي أسهل أداة ضريبية ممكنة، وهي ليست واضحة للعموم، لكنها تعني أمرين أساسيين:

– إن احتمال انحدار سعر الصرف وتدهوره ناتج عن استمرار استعمال الليرة كأداة لنقل الثروة من المودعين إلى المقترضين. وهذا ما تدلّ عليه معادلة سعر الشيك بالدولار الذي يساوي اليوم ما بين 2800 ليرة و3000 ليرة للدولار الواحد، بينما سعر الدولار الورقي تبلغ قيمته عند الصرافين وفي المصارف 7500 ليرة. أكثر من 10 مليارات دولار خرجت من الودائع وصبّت لإطفاء ديون. ليس بالضرورة أن يكون المدين فقيراً، بل هو ربما من الأثرياء الذين سحبوا دولارات ورقية واستبدلوها بشيكات من أموال المودعين ووضعوها في حساباتهم لإيفاء الديون.

عملياً، إن التراجعات أو التقلبات المؤقتة التي تصيب سعر الصرف من وقت إلى آخر، هي غير مستدامة، بحسب ما ثبت على مدى العام الفائت. فعلى سبيل المثال، في تشرين الأول 2019 بلغ سعر الدولار في السوق الموازية 1690 ليرة، لكنه قفز في نيسان إلى 2850 ليرة، ثم بلغ 4200 ليرة في آخر نيسان، وصولاً إلى 5400 ليرة في 12 حزيران. بعد يومين انخفض السعر إلى 4750 ليرة، ثم عاد إلى الارتفاع مجدداً. وبلغ السعر في 3 تموز 9900 ليرة، ثم تراجع في خلال أسبوع إلى 7900 ليرة. في آب تكرّرت القصة فانخفض السعر من 8500 ليرة في 6 آب إلى 7000 ليرة في 11 آب. مجموع هذه التقلبات جعلت صندوق النقد الدولي يستعمل سعر الصرف على أساس 6000 ليرة في احتساب الناتج المحلي الإجمالي التقديري لعام 2020.

– إن الطريقة الأفضل لإدارة سعر الصرف متصلة بالغاية التي يفترض أن تسعى السلطات إليها. فالأمر ليس عبارة عن وصفة تقنية، بل يتعلق بإدارة التفليسة واستخدام الأدوات المتاحة. يكون هذا الأمر ضمن هدف واضح: أي اقتصاد؟ أي مجتمع؟ هل نريد تعزيز موقع أصحاب الرساميل؟ هل هناك مصلحة في سعر صرف مستقرّ؟

حالياً، ليس لدى سلامة، أو أي أحد في السلطة، الجرأة على مواجهة هذه الأسئلة وتحديد الخيارات. الكل يريد حصة من سعر الصرف تصبّ في مصلحته. هي المصلحة التي اعتاد الحصول عليها من سعر صرف ثابت ومستقرّ، وهي المصلحة التي توسّع الفجوة بين قلّة من الأثرياء وكثرة من الفقراء في لبنان. من يجرؤ على مواجهة خيار البحث عن نموذج بديل؟ بعد سنة على انفجار الأزمة، لم يجرؤ أحد من أهل السلطة على تقديم مقاربة بديلة. الكلّ يريد ترقيع النموذج حتى لو لم تصمد الرقعة كثيراً. بضعة أشهر قد تكون كافية لتهريب ما تبقى من أموالهم العالقة هنا.