محليات

الأطفال مهدّدون بغذائهم الوحيد!

هل يعود الزمن إلى الوراء، ستين أو سبعين عاماً، وتعود الأمهات إلى ما كانت عليه الجدّات، اللواتي أطعمنَ صغارهن حليب بقر وأغنام وماعز، متى قررنَ فطامهم؟ ما كنّ على الأرجح قد سمعن بعلب الحليب المخصصة للأطفال، التي باتت، بدعمٍ ومن دون دعم، تشكل اليوم هاجس كل يوم.

ندرة الحليب في الأسواق والخوف من فقدانه في المرحلة المقبلة يؤرق الأمهات اللواتي بدأ بعضهنّ بالتفكير في استبدال حليب الرضع والأطفال بحليب البقر والغنم والماعز على قاعدة “كل شي ع الطبيعة أحلى”. ولكن هل يصلح الحليب السائل والطازج، في تغذية حديثي الولادة والأطفال ونموّهم السليم، في سنوات عمرهم الأولى؟

حليب البقر

سيمونا اسطفان أم لأربعة أولاد، بينهم رضيع وطفلة في الثالثة من عمرها، ربّتهم كما يُقال “كل شبر بندر” الى أن وصلت الى طريق مسدود في مسألة تغذيتهم في ظل انقطاع الحليب من السوق وإن وُجد فإن الأسعار تحاكي الخيال حيث حُدّد سعر الكيس زنة 750 غراماً من حليب البودرة في السوبرماركات بنحو ستين ألف ليرة لبنانية، فيما حليب الرضع حافظ على سعره المدعوم بنحو ثلاثة عشر الف ليرة، غير أن الحصول عليه يتطلّب مسحاً للصيدليات “وإنت وحظك شو بتلاقي” تقول سيمونا، فيما الرضيع لا يتأقلم مع كل أنواع الحليب بسهولة ما يصعّب الوضع لذلك ما كان منها أمام هذا الواقع المذري إلا أن اتخذت القرار بتغيير غذاء أطفالها للحفاظ على الفيتامينات التي يُفترض ان يحتويها الحليب كالكالسيوم والفيتامين D، فاختارت حليب البقر تشتريه من إحدى المزارع مباشرة لأولادها وتختم سيمونا بالقول “خلصنا بقى كلّو تجارة بتجارة جوّعونا وجوّعوا ولادنا ما بدا هلقد الحليب حليب شو ما كان.. متل ما كبرنا بيكبرو ولادنا وحاج يذلّونا ع مجمع حليب!”.

الخيار الذي اتخذته سيمونا قد يكون خيار العديد من الأمهات في لبنان بعدما أنهكتهنّ الضائقة المالية والمعيشية… ولكن هل هذا المسار سليم وصحي لتغذية حديثي الولادة والأطفال في السنوات الأولى من العمر؟

شبعٌ لا تغذية

الاختصاصي في طب الأطفال دكتور روني صياد ليس من رأي السيدة إسطفان لا بل أنه يحذّر من اللجوء الى حليب المزارع ويؤكد أن لا بديل غذائياً لحليب الأطفال خصوصاً الرضع منهم أي دون عمر ستة أشهر، لأن تركيبة حليب البقر أو الماعز على سبيل المثال، لا تفيد صحة الإنسان إطلاقاً، فمكوّناته تضرّ بجهاز مناعة الأطفال نظراً الى احتوائه على نسبة عالية من البروتين والدسم التي من شأنها أن تصيب الأطفال بالمغص والالتهابات والحساسية إضافة الى أنه يفتقد الفيتامينات الضرورية التي يحتاجها الطفل لنمو سليم، وبالتالي فإن حليب المزارع يشبع الأطفال لكن لا يغذيهم لأن “حليب البقر للبقر وليس للبشر”، يقول د. صياد؛ بدليل انه قبل اعتماد حليب مخصص للأطفال كانت الرضاعة الطبيعية أساسية جداً لنمو الطفل ولم تُستبدل يوماً بحليب المزارع الذي لطالما كان متوفّراً، فكانت الجارة تقوم بإرضاع أطفال جارتها، ما يؤكد أهمية حليب الأم الذي لا بديل عنه سوى حليب الفورمولا المخصص للأطفال.

أما بالنسبة الى الأطفال الذين يزيد عمرهم عن السنة، فيعتبر د. صياد أن لا مانع من التوقف عن شرب الحليب إذا لم يعد متوفّراً، إذ يمكن تعويضه في هذا العمر بمشتقات الحليب كالألبان والأجبان والبيض.

ولأن صحة ونمو أطفالنا أولوية اختصرت اختصاصية التغذية ريبيكا بو راشد الموضوع بالتشديد على أن أي حليب، غير المخصص للرضّع، ممنوع على الأطفال ما دون السنة لأنه يحتوي على بروتين وعناصر غذائية لا يستطيع جهازهم الهضمي امتصاصها كما يجب، بينما يمكن للأطفال الذين يفوق عمرهم السنة، أن يشربوا حليب البقر الموجود في السوبرماركات لكن شرط أن يكون مبستراً ومن المستحسن ان يكون كامل الدسم لأن الدسم يساهم في تكوين الدماغ.

وشرحت أن حليب المزارع غير مبستر ويحتوي على كمية عالية من البكتيريا الحية التي تعزّز احتمال الإصابة بمرض السالمونيلا أو بكتيريا الإيكولاي، وهي بكتيريا خطيرة تدمّر خلايا الدم الحمراء لدى الطفل في ظل ضعف المناعة لديه، لذلك تشدد بو راشد على ان الحليب غير المبستر ممنوع للأطفال ما دون السنتين منعاً تاماً.

وتؤكد أن لا بديل عن الحليب المخصص للأطفال ما دون السنتين، نظراً للفيتامينات المدعمة التي يحتويها وأبرزها فيتامين C وD وتعتبر أساسية للنمو السليم خصوصاً نمو العظام والدماغ الذي يتغذى من folic acid والموجود بنسبة عالية في الحليب المدعّم. وتوضح انه في عمر ما بين السنة والسنتين، تتكون لدى الطفل أنواعُ الحساسيات وإذا ما تمّ اعتماد حليب المزارع غير المبستر في غذائه ستزداد احتمالية اصابته بالحساسيات وتفاقمها.

في الخلاصة تقول بو راشد “إن الظروف الراهنة تحتّم على كل امرأة حامل أن تتخذ قراراً واضحاً باعتماد الرضاعة الطبيعية لتأمين سلامة غذاء طفلها، أقلّه خلال الأشهر الأولى”. عليه، ما عادت الرضاعة خياراً للأم بل باتت واجباً وضرورة لا مفرّ منها طالما أزمة الحليب مستمرة.

زيادة في الإستيراد

في الصيدليات كما في السوبرماركات الرفوف شبه خالية من عبوات الحليب، والسبب يعيده مسؤول المبيعات في إحدى أكبر شركات استيراد الأدوية الى تخزين المواطنين للبضاعة خوفاً من رفع الدعم وارتفاع الأسعار، ويقول إن استيراد الحليب للاطفال ما دون عمر السنة ازداد بنحو عشرة في المئة، فيما ارتفعت نسبة استيراد الحليب لأعمار ما بين السنة والست سنوات بما يقارب أربعين في المئة، نافياً بذلك الاتهامات بأن شركات الاستيراد تحتكر الحليب وتخزّن البضاعة في مستودعاتها “فلو كان هناك من تخزين لما كنّا لنزيد الكمية المستوردة”.

وعن إمكانية تعزيز عملية الاستيراد مرة إضافية للموازاة بين العرض والطلب المتزايد، تجد الشركات صعوبة في ظل أزمة الدولار بانتظار ما ستؤول اليه الأوضاع الاقتصادية والمرتبطة بتشكيل حكومة، وفي الوقت المستقطع تحاول الشركات المستوردة ان تحقق التوازن المفترض في عملية التوزيع بحيث تقوم بتسليم كميات محدودة لمنع الاحتكار خصوصاً في الصيدليات بالاستناد الى نسب البيع في كل صيدلية.

في المقابل، يرفض صاحب إحدى الصيدليات الكبرى في منطقة المتن الكلام عن تخزين المواطن للبضاعة معتبراً ان التخزين حصل منذ ستة أشهر فيما اليوم يعود انقطاع الحليب من السوق الى اعتماد الوكيل سياسة التقنين في تسليم البضاعة “أطلب مئة عبوة من حليب معين لأستلم ثلاثين عبوة فقط أي تقنين بنسبة 70%”.

الصيدلي لا يوجّه الاتهام على الشركة المستوردة إذ يلفت الى ان الدولة تدعم كمية محددة من الحليب ربّما الوكيل غير قادر على تحمّل كلفة الكمية المتبقية غير المدعومة ما ينعكس نقصاً في الاسواق. وبكل الأحوال تحاول الصيدليات توزيع البضاعة بشكل عادل على زبائنها.

قطاع الصيدلة يتفهّم معاناة الشركات المستوردة ويرمي التهمة على مصرف لبنان الذي يتأخّر في التصديق على دعم الفواتير وهو السبب الرئيس في أي نقص للمواد في الأسواق… وفي هذا السياق، كانت أطلقت نقابة الصيادلة صرخة مدوية بوجه المعنيين بعدما بات تأمين الغذاء الوحيد للرضّع مهدداً بين مطرقة المصرف المركزي وسندان المستوردين باعتبار ان الصيدلي هو الصلة الوحيدة بين مستوردي حليب الرضّع من جهة، والمواطنين من جهة ثانية. وناشدت النقابة حاكم مصرف لبنان وجميع المسؤولين عن ملف استيراد حليب الأطفال ضرورة الاسراع وإعطاء الأولوية القصوى للإفراج عن فواتير الاستيراد المتراكمة لديهم كي يتمكّن المستوردون بدورهم من توفير كميات الحليب اللازمة والكافية لتغطية حاجات المواطنين.

في الخلاصة وأمام هذا الواقع المأزوم، لا بدّ من خطوات تقوم بها الوزارات المختصة لمعالجة مسألة مرتبطة بحياة آلاف من اللبنانيين، لا ذنب لهم، سوى ولادتهم في هذا الزمن البائس الذي يتناتش فيه ضباع السياسة والمحاصصة جثة بلد.

المصدر : زينة عبود – نداء الوطن

زر الذهاب إلى الأعلى