بأقلامكم

الانعطافة الفرنسية: عودة متأخرة عن «الخطيئة السورية» بقلم الاعلامية داليا قانصو

نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2015-09-28 على الصفحة رقم 10 – عربي ودولي

لمشاهدة المقال في جريدة السفير  إضغط هنا

لم تبتكر فرنسا اسماً بعد لضرباتها الجوية التي تعتزم شنها ضد تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» ـ «داعش» في سوريا. تأخذ قائدة عملية «شمال» في العراق ضد التنظيم المتطرف، والتي ساهمت في خمسة في المئة فقط من عمليات «التحالف»، وقتها في الاختيار، فالتأخر في الانعطافة سورياً لن تزيده ضرراً بضعة أيام إضافية لابتكار مفردة عسكرية «تليق» بالحملة.
غضت فرنسا الطرف طويلاً عن بلد كان في صلب سياستها الخارجية. انتهاج موقف عدائي ضد النظام السوري، منذ الأيام الأولى للأزمة، وسحب جميع ممثليها من دمشق، أفقدها حضورها في سوريا وهامش المناورة لعودة مريحة، بعدما دعمت «المعارضة» المسلحة التي أثبتت ولاءها للتطرف.
أمس، نفذت باريس أولى ضرباتها الجوية ضد «مركز للتدريب لداعش بالقرب من دير الزور»، وذلك بعد سلسلة «طلعات جوية استكشافية» بدأتها منذ الثامن من ايلول الحالي، علماً أنها أكدت أن ضرباتها ستكون «مستقلة» عن ضربات «التحالف»، وستختار أهدافها بنفسها بما يخدم مصالحها الأمنية.
كثيرة هي الأسباب وراء الانعطافة الفرنسية، التي أفضت إلى تخلي باريس عن سياسة الـ «لا لا» التي اعتمدتها منذ بدء الأزمة السورية. لا لـ«داعش» ولا لـ«(الرئيس السوري) بشار الأسد»، لم يعد شعاراً يستطيع الـ«كيه دورسيه» أن يستمر في تبنيه، بعدما استفحلت أزمة اللاجئين في أوروبا وبدأت تدق ناقوس الخطر في بلد تبلغ فيه «الإسلاموفوبيا» درجة متقدمة، وبعدما ضرب الإرهاب، من باريس إلى قطار تاليس، والذي تساهم فرنسا في ألفي «جهادي» منه على أقل تقدير، سمعة الدولة السياحية الأولى في العالم. وذهب الرأي العام الفرنسي إلى أبعد من الموافقة على ضربات جوية، إذ أيد أكثر من نصفه أن تكون لبلاده «أقدام على الارض» في سوريا لمحاربة الإرهاب. كذلك فعل بعض أركان حزب «الجمهوريون» اليميني، منتقدين سياسة الحكومة الاشتراكية السورية، ولو لأهدافهم الخاصة.
لكن هذه الأسباب ليست وحدها ما أملت على باريس «تبديل» موقفها. أدرك الإليزيه أخيراً أنه لم يكن يمارس سياسة أصلاً في ما يتعلق بالملف السوري. من جهة، لم يعد شعار «حقوق الإنسان» الذي تحمل باريس رايته موفقاً لتبرير المطالبة برحيل الأسد. ومن جهة أخرى، بدأ الانصياع الأعمى للرغبات الخليجية تحت تأثير إغراءات عقود التسليح الضخمة، يئن تحت وطأة المتغيرات المتسارعة في المنطقة، من متطلبات الاتفاق النووي مع إيران إلى الانفتاح الأميركي على الرؤية الروسية للحل السوري، إلى الانخراط العسكري المتقدم لموسكو لحماية دمشق.
بالمحصلة، أيقظ الإدراك الأوروبي والبريطاني والأميركي ان لا حل عسكرياً في سوريا، وإلغاء هذه القوى شرط رحيل الرئيس السوري، باريس من سباتها. على عجلة، سحب الملف السوري من يد وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، صديق الخليج الوفي، والذي أثبتت «عقيدته» السورية فشلها.
تعرض صاحب مقولة «جبهة النصرة تبلي بلاءً حسناً» بعدما أدرجت واشنطن فرع تنظيم «القاعدة» في سوريا على لائحة الإرهاب في 2012، لحملة شرسة من اليمين واليسار الفرنسي على حد سواء، بسبب سوء تقديره للصراع في سوريا، ليقرر رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس أن يفسر قرار الضربات الجوية وأن يدير فرانسوا هولاند هذا الملف المعقد. آخر الاستدراك الفرنسي للخطيئة قرار الانخراط الفرنسي في ضرب «داعش»، واستبعاد الشروط المستحيلة، رغبة في حجز مكان على طاولة مفاوضات الحل النهائي، وصولاً إلى زيارة وفد نيابي فرنسي لدمشق، من المقرر أن يلتقي اليوم رئيس مجلس الشعب السوري ووزير الصحة ومسؤولين سوريين آخرين، على أن يلتقي يوم الثلاثاء مساعد وزير الخارجية أيمن سوسان.
ويعتبر الخبير الفرنسي في الشأن السوري، الباحث الزائر في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، فابريس بالانش، ان زيارة الوفد النيابي الفرنسي، الذي كان قد زار دمشق من قبل، إنما تأتي اليوم بـ «مباركة فرنسية رسمية ضمنية»، وتتناغم مع التبدل في الموقف الفرنسي.
هذا التبدل يرتبط، بحسب بالانش، «ارتباطاً مباشراً بعوامل داخلية وخارجية». يقول الباحث الفرنسي في حديثه لـ«السفير» إن «العوامل الداخلية ثلاثة، أولها العمليات الإرهابية التي تعرضت لها فرنسا، وهي الأكبر حجماً والأكثر عدداً التي تعرض لها الغرب منذ ظهور داعش، والمرتبطة أيضاً بالخشية من عودة الجهاديين الفرنسيين إلى أراضيها يوماً، وثانيها مسألة اللاجئين، ففرنسا حتى الآن لا تزال مُحَيدة عن هذا الخطر، لكنها تعرف أن ألمانيا ستبلغ عاجلاً أم آجلاً حدها الأقصى من المهاجرين الذين يمكنها استيعابهم، لتصبح هي في مواجهة موجة غير مسبوقة عليها تحملها». أما العامل الثالث، بحسب بالانش، فهو «الانتقاد المتصاعد من الداخل الفرنسي لسياسة هولاند، الذي تخاذل عن حماية المسيحيين والأقليات في الشرق، فالرأي العام الفرنسي والقوى الفاعلة تعتبر أن بلادها تخلت عن دور كان من المفترض أن تكون رائدته في الشرق الأوسط لمصلحة نظرية إسقاط الأسد تحت مسمى حماية الثورة السورية، وراوغت حين قالت إن النظام السوري والإرهاب واحد».
خارجياً، يرى الباحث الفرنسي انه أصبح من الضرورة لباريس «أن تتخلى عن سياسة انتهجتها طويلاً حول الأزمة السورية، والتي كانت فيها المتحدثة الأولى باسم السعودية وقطر». يعترف بالانش بأن الموقف الفرنسي المستجد، تمليه أيضاً دوافع اقتصادية، «ففرنسا، ولا سيما في ظل أزمة النفط العالمية، لم تعد تعول كثيراً على أكثر مما جنته من دول الخليج، بينما السوق الإيرانية تشترط عليها أكثر من تحول في الرؤية السورية». يضيف أن «فابيوس، الذي استقبل ببرودة شديدة في طهران بعد الاتفاق النووي، سمع كلاماً واضحاً من القيادة هناك، مفاده أن الاقتصاد مرتبط بالسياسة، وأن العقود لن تنتظر باريس طويلاً».
الباحث، الموجود حالياً في الولايات المتحدة، يرى أن سياسة فرنسا السورية «أصبحت أكثر واقعية»، ووجدت أنه عليها أن تواكب التبدل الأميركي، فـ «هنا في واشنطن، لم يعد هناك كلام عن رحيل الأسد، بل عن ضرورة إعادة الاستقرار إلى سوريا».
هل تسعى باريس، من خلال إعلانها العزم على توجيه ضربات ضد «داعش» في سوريا «في الأسابيع المقبلة»، إلى حجز كرسي لها على طاولة المفاوضات حول الحل السياسي؟ يستبعد الباحث الفرنسي الحديث عن إمكانية أن يكون لبلاده دور مهم في المرحلة المقبلة على سوريا. يقول إنه «يضحك» أولاً من كيفية تخلي فرنسا فجأة عن تبعيتها العمياء للقرار الخليجي، ويستغربه. باريس، برأيه، «فقدت مصداقيتها في ما يتعلق بإدارتها لهذا الملف»، مستبعداً أن يخصص لها «أي مكان في الحل السوري، الذي سيُبحث تحديداً على طاولة ضيقة تتقاسمها فقط واشنطن وموسكو وطهران والسعودية».
بدوره، يؤكد الباحث في التاريخ في جامعة تور فريديريك بيشون، أن تفسير زيارة وفد البرلمانيين الفرنسيين الذين ينتمون إلى الأكثرية النيابية إلى دمشق «بسيط جداً». فبالرغم من أن رئيس الوفد، النائب الفرنسي جيرار بابت، يؤكد أن الزيارة «هي زيارة خاصة»، إلا أنها تؤكد أن «سياسة الحكومة الفرنسية أثبتت أنها خاطئة وأنها غير منتجة».
ويقول بيشون في حديثه لـ«السفير» إن «داعش لا يتراجع في سوريا، وإيران أعيد إدخالها في اللعبة الدولية، ما أجبر الفرنسيين على الاقتناع بأن طهران، التي تتذكر معارضة باريس بقوة لأي مشاركة لها في مؤتمر جنيف الأول، هي جزء أساسي من الحل السوري».
يضيف ان باريس «فعلت كل ما في وسعها لعزل إيران، فقد وصلنا إلى حد بعيد جداً من الخضوع للسعوديين والقطريين، لكن ذلك لم ينفع».
يقرأ الباحث الفرنسي الانخراط العسكري الروسي في سوريا كـ«مقدمة للحل» الذي «لن يكون لفرنسا دور كبير فيه». إضافة إلى ذلك، يعترف بأن الضربات العسكرية الفرنسية ليست سوى من باب الاستعراض، فالفرنسيون «فهموا الرسالة جيداً»: طائرات الـ«الرافال» الست في الإمارات و«الميراج» في الأردن، وطائرة «أتلانتيك 2»، لن توقف الإرهاب.. ولن تحمل باريس إلى بحيرة ليمان.