محليات

التعليم في لبنان بخطر… السياح يهربون من ‘سويسرا الشرق’!

يتغير “لبنان” يوماً بعد يوم، لبنان الذي كُتبت عن سهوله ووديانه وجباله وأنهاره الأغاني بات لا يُشبه نفسه، كل الأمور تتدحرج نحو الهاوية، ولا ضوء في آخر النفق المظلم، في ظل واقع اقتصادي مأزوم، وانهيار كلي للدولة وأجهزتها معطوف عليها حوادث وجرائم وأعمال سلب واحتكار التجار للوقود والدواء والغذاء، على حساب اللبنانيين.

“هيدا مش بلدنا يلي منعرفو”، هكذا يبدأ مصطفى حمود حديثه، فالرجل مغترب عن لبنان منذ 31 عاماً، ويعيش مع عائلته في كندا، ويزور لبنان صيفاً مع عائلته المكونة من 7 أشخاص، بهدف رؤية أهله وزيارة مدينته “طرابلس” التي ترعرع فيها ونشأ بين قراها، ويملك فيها ذكريات لا يمكن نسيانها، لم يحالف الحظ مصطفى، العام الماضي، لزيارة لبنان، لارتباطه بأعمال، لكنه قصد بلاده في يوليو/تموز المنصرم لقضاء عطلة صيفية لمدة شهرين ونصف الشهر، قبيل مجيئه سمع المغترب اللبناني كلاماً كثيراً عن الواقع الذي يعيشه لبنان، لكنه لم يتوقع أن يكون الواقع بهذا السوء والغرابة، لا كهرباء ولا مولدات بديلة للكهرباء، لا وقود للسيارة ولا خدمات الإنترنت.

قصد مصطفى قريته في عكار، لعله يتمتع ببعض من الأجواء الباردة في عز الصيف اللاهب، ليُصدم مجدداً بأن قريته تعيش عتمة وغياب أي سبل للعيش الكريم، يروي مصطفى أن منطقة عكار التي تضم مئات القرى كان مشهوداً لها بمطاعمها التي تقدم أجود الأكلات اللبنانية التي يتحدث عنها الشرق والغرب، وبعد أن قصد أحد أهم المطاعم في المنطقة أصيب وعائلته بتسمم غذائي بسبب انقطاع الكهرباء عن برادات الطعام، وأُدخل ولداه الصغيران للمشفى الغارق في الظلام، والمفتقر إلى التبريد بسبب شح مادة المازوت التي تعمل بها المولدات.

وعليه فالرجل قرر تقريب موعد سفره بعد أقل من شهر، وخاصة بعد أن جرت حادثة انفجار عكار قرب منزله، أولاده يشعرون أنهم يعيشون في بلاد غريبة وليس لبنان الذي سمعوا عنه.

لا يعرف مصطفى متى ستكون الزيارة الثانية، لكنه يُقنع والدته وأخته العزباء بالقدوم لكندا، فالبلاد لم تعد تتسع لأهلها، والعيش بكرامة في هذا البلد بات أمراً مستحيلاً، والهرب منه وفق مصطفى بات “هجرة من مكة إلى المدينة”، حيث محاولة الحياة بشرف ودون منة من أحد.

وعلى طريق المغتربين يسير السياح في لبنان، فالبلد المتوسطي الذي كان محج العرب والأوروبيين للسياحة والاصطياف والعلاج والاستثمار، وحتى في زمن الحرب، بات بالنسبة لهم “أرضاً قاحلة وصحراء يصعب زراعتها”، هكذا يقول خليفة المسند، المواطن القطري، الذي ورث عن والده زيارة منطقة “صوفر” الجبلية، التي تشتهر بأنها محجّ العرب في الصيف، لجمال طبيعتها وهوائها النظيف، والخدمات المميزة الموجودة فيها وعلى أطرافها، وفقاً لخليفة فإن والده اشترى منزلاً جبلياً كبيراً في صوفر في العام 1987، لقضاء عطلة صيفية عائلية آمنة وهادئة وجميلة، في بلد عربي يشتهر بأنه “سويسرا الشرق”.

يبدي خليفة صدمته منذ العام السابق، حيث يضطر لدفع مبالغ كبيرة لتأمين خدمات بديهية الكهرباء والمياه والخبز وغيرها، يستغرب الرجل كيفية قبول مواطنين بالوقوف طوابير لتأمين محروقات وخبز وغاز للطبخ، وهذا يعني أن لبنان يعيش مراحل سيئة غير قابلة لعيش كريم، لا يخفي خليفة رغبته في بيع المنزل الذي يمثل له ولعائلته الكثير، لأن لبنان لن يعود كما كان عليه قبل عشر سنوات، ويبدو أننا سنودعه.

تُعرف بيروت “بشارع الحمرا”، الذي يُمثل معلماً سياحياً تاريخياً للبنانيين والزائرين والسياح، يمتاز شارع الحمرا بأنه يضم بين أزقته وحاراته كل لبنان، المطاعم ومتاجر الألبسة والفنادق الفخمة والملاهي الليلية والمكتبات ودور النشر اللبنانية المعروفة منذ أربعينات القرن الماضي، لذا فإن منطقة الحمرا تعرف كواحة غنية عن تناقض لبنان من اليمين إلى اليسار، حيث كان ملجأ لكل الكتاب والصحفيين ورجال السياسة والعمل الفدائي، يعيش اليوم هذا الشارع نهاية مأساوية، حيث أغلقت معظم محاله الشهيرة وأقفل العديد من الفنادق والمطاعم، وبات مهجوراً، بعد أن يضج يومياً بعشرات الآلاف من المارة والسياح.

يروي عبدالسلام دبيبو وهو من سكان الحي منذ خمسين عاماً أن الحرب الأهلية وكل ما فعلته بلبنان منذ السبعينات وحتى وضعت أوزارها مطلع التسعينات لم يتعرض هذا المعلم المدني لنكسة اقتصادية كهذه، يؤكد عبدالسلام أنه وقبيل سنتين فقط كان الشارع وبشكل يومي يضج بالحياة الرابعة فجراً، المطاعم لا تهدأ وحركة الفنادق لا تتوقف، والأنشطة الثقافية التي يضمها المكان لا تكاد تنتهي، والملاهي الليلية تعمل دون كلل لاستقبال آلاف الناس، لكن الواقع اليوم اختلف، لا أموال مع الناس ولا سياح ولا مغتربين والوضع يزداد سوءاً في كل القطاعات.

علاء وهو زائر مصري حط رحاله في بيروت منذ أيام لمتابعة بعض الأوراق والمعاملات يروي منصدماً كيف بات شارع الحمرا الذي سمع عنه مراراً بؤرة لعصابات المتسولين المنتشرين على امتداد الشارع، ويقومون بإقلاق راحة المارة بشكل غير طبيعي، ودون وجود شرطة لمنع هذه الأعمال، ويستغرب علاء من الموت الذي يعيشه أبرز وأهم شارع في لبنان، ومحج أي زائر تدوس قدماه مدينة بيروت.

وكغيرها من القطاعات السياحية المعروفة عن لبنان تغيب المهرجانات الفنية الكبرى، التي كانت تقام سنوياً في مختلف المناطق اللبنانية كمهرجان بعلبك ومهرجان الأرز وغيرها من المهرجانات التي كانت فسحة فنية وسياحية واقتصادية للمناطق اللبنانية، وبات الفنانون اللبنانيون وبسبب الواقع المأساوي الذي أصاب القطاع السياحي والفني ضيوف مهرجانات في دول أخرى كالسعودية والإمارات .

وعليه، فإن طوني زهرة، صاحب مطعم في مدينة بعلبك، يشتكي من أن غياب مهرجانات مدينة بعلبك السنوية، التي كانت “فلكلوراً سنوياً”، قضى على وضعه المعيشي، حيث كان الاعتماد على هذه المهرجانات التي تمثل حركة النشاط الاقتصادي الأبرز لمعظم الباعة والمطاعم والفنادق في المنطقة، بحسب طوني فالمنطقة شهدت حركة اقتصادية كبيرة منذ العام 1994 وحتى العام 2019، وكانت محجاً للبنانيين والمغتربين وضيوف لبنان من شتى الدول، ولسماع أصوات أبرز المغنين اللبنانيين.

وفقاً لزهرة فإن القطاع السياحي في البلاد سيعيش أسوأ مرحلة عرفها في تاريخه، والتي كانت مصدر رزق لعشرات آلاف اللبنانيين والمقيمين في لبنان من جنسيات أخرى، ولا يمكن التنبؤ بمصيرها في الوقت الراهن، مادام أنه لا أفق للحل لا في السياسة ولا في الاقتصاد.

كان لبنان منارة التعليم في العالم العربي، حتى إن المدارس اللبنانية كانت ولعقود طويلة محط أنظار الطلاب في الداخل اللبناني وحتى في خارجه، والمدارس اللبنانية أصبحت ناشطة في دول الاغتراب العربية والأجنبية، لكن الأزمة عصفت أيضاً بالقطاع التعليمي وتهدد وجوده.

لذا فإن مدير مرصد الأزمة في الجامعة الأمريكية ببيروت، الدكتور ناصر ياسين، يتحدث عن أن القطاع التربوي في لبنان تعرض لتداعيات الانهيار الاقتصادي-المالي وجائحة كورونا، والتأثيرات الناجمة عن الإغلاق العام.

وفق ياسين فالأزمة الاقتصادية العميقة تلقي بثقلها الضخم على النظام التعليمي في لبنان، فتؤثِّر بشكلٍ مباشرٍ على قدرة الأسر على الاستثمار في تعليم أبنائها وبناتها، كما كان الحال قبل عام 2019. فأكثرية الأسر اللبنانية (70%) كانت تعتمد على المدرسة الخاصة، ولاسيَّما في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة.

يؤكد ياسين أن حصة قطاع التعليم الخاص في لبنان قدرت قبل الأزمة بنحو 1,3 مليار دولار، وجُلُّها هو ما كانت تدفعه الأسر لتغطية كلفة “الأقساط” المدرسية من خلال مداخيلها ومُدَّخراتها، التي تبخَّرت بفعل الأزمة (في المصارف) أو خَسِرَت معظم قيمتها. وهذا الأمر بحسب ياسين يجعل الانتقال إلى المدرسة الرسمية الملاذ الطبيعيَّ مع وقوع أكثر من نصف اللبنانيين في الفقر وعدم قدرة الأكثرية الساحقة من الأُسَر على تأمين أقساط المدارس الخاصة. وكان حوالي 55,000 تلميذ قد انتقلوا من المدارس الخاصة إلى المدارس الرسمية خلال العام الدراسي الفائت (2020-2021)، الأمر الذي يؤشِّر إلى تحوُّل الكثير من الأُسَر إلى المدارس الرسمية.

وفقاً لمدير مرصد الأزمة فإن هجرة المعلمين والمعلمات ارتفعت بشكلٍ ملحوظٍ خلال العام الحالي، وستظهر بوضوح أكثر فأكثر مع العودة إلى التعليم المؤسَّسي في الخريف المقبل. وهذا يرتبط بتدهور قيمة رواتب المعلمين وتردِّي الأوضاع الحياتية في لبنان، الأمر الذي يضغط بقوة في اتجاه الهجرة، حيث يُقدَّر أنَّ مئات المعلمين قد هاجروا فعليّاً أو لديهم النية للقيام بذلك، ما يعني أن لبنان يخسر أهم ركن في هيكله الوجودي.

يختم ياسين بالقول إن إنقاذ القطاع التعليمي في لبنان أهمية استراتيجيةً بجسامة الحفاظ على الاستقرار الأمني ومؤسسات الجيش والقوى الأمنية. فتداعيات انهيار التعليم ستنجم عنه أجيال ضائعة، ولن يكون في الإمكان التعويض عن الخسائر الحاصلة قبل مُضيِّ عقود من الزمن. وهذا يتطلب قيادة مسؤولة ومتماسكة لهذا القطاع، تستطيع العمل مع الأسرة التعليمية والأهل والمجتمع المحلي والهيئات المانحة بجدية وحكمة، لحماية مليون تلميذ من سقوط رهيب.

عربي بوست

زر الذهاب إلى الأعلى