محليات

الحكومة تتحدّى الناس

يوم تدّخلت السياسة في عمل المجلس الدستوري تعطّل دوره، وأصبح مجلسًا يأتمر بأوامر السلطة السياسية، ففقد دوره وبات يشبه أي مؤسسة عامة أو أي مجلس غير فاعل وغير موجود.

أما عندما قرر المجلس ذاته، وبنفس الأعضاء، أن يستعيد دوره وثقة الناس به على أنه الملاذ الوحيد لحماية الدستور من مجزرة الإنتهاكات، التي لا عدّ لها ولا حصر، وقد يكون في مقدمها عدم إحترام مواعيد الإستحقاقات الدستورية، وآخرها كان تطيير الإنتخابات الفرعية في طرابلس وكسروان، “فخبز الجميع بالأفراح”، سلب من الحكومة ما أعطته لنفسها من عنوان لعملها، وهو “إستعادة ثقة الناس”، فنجح حيث فشلت وأعاد للناس الأمل بإمكانية إجراء إصلاح، حيث يجب وحيث تقتضي المصلحة العامة ذلك.

بكل جدّية ومسؤولية درس المجلس الدستوري بتأنٍ وبعيدًا عن المؤثرات الخارجية الطعن الذي تقدّم به نواب الكتائب وخمسة نواب آخرين رأوا في قانون الضرائب ضحكًا على جيوب المواطنين، الذين أدخلوا في لعبة غشّ إسمها سلسلة الرتب والرواتب، التي إن صُرفت، ستصبح سلسلة تلتف حول الأعناق والأرحام لـ”تأكل بشطارة متناهية” تعب شهر بساعات قليلة، وراتبًا لن تسمح له كثرة الضرائب، لو لم تُلغَ أقله ورقيًا، بولوج أي موظف عتبة “السوبرماركت”، التي ألتهمت السلسلة قبل أن تصرفها الحكومة، إن هي صرفتها، لأن قرار “الدستوري” أربكها وأدخلها في متاهات كانت في غنىً عنها لو أخذت الأمور بشيء من الجدّية، ولو لم تكن قراراتها ناتجة عن عدم وضوح في الرؤية وفي غياب الجدوى الإقتصادية لأي خطوة إصلاحية قد تقدم عليها، وليس على طريقة “من تحت أيد وباط”، أو على طريقة “ور ياعو”، أو “كيف ما إجت تجي”.

أهمّ ما في قرار المجلس الدستوري أنه أعاد إلى الناس ثقتهم بمرجعيتهم القانونية والدستورية، إذ لم يعد في إستطاعة لا الحكومة ولا مجلس النواب بعد الآن أخذ الأمور بخفة وتجاوز القوانين والنصوص الدستورية، وهو أعلن في 22 ايلول من العام 2017 أنه سيكون في المرصاد لكل متلاعب بالدستور أو مستخّف بنصوصه، وهو بعد هذا التاريخ لم يعد مجرد وجهة نظر، وما بعده ليس كما قبله.

وبذلك، ردّ هذا المجلس للمعارضة دورها البناء للوقوف في وجه جنوح السلطة نحو التفردّ والإستئثار، وجعل من هذا الدور موازيًا للعمل الحكومي، تصحيحًا وتصويبًا، بما يؤسس لمرحلة جديدة في الحياة السياسية، من دون إغفال بعض الجوانب الإيجابية، والتي تشكّل العنصر الأساس في اللعبة الديمقراطية، وفي تقريب وجهات النظر للوصول إلى تطبيق سوي للقانون، وهذا ما يحرص عليه الجميع، بغضّ النظر عما يصدر من أخطاء في الأداء وممارسة السلطة، خصوصًا أن غياب المعارضة الجدّية على مدى سنوات دفع السلطة إلى إعتبار نفسها فوق القوانين، وجعلت الحكومات غير خاضعة للمحاسبة من قبل السلطة التشريعية، التي تمنحها الثقة أو تحجبها عنها، وذلك بفعل التركيبات الإتلافية، والتي تجعل من الحكومات “ميني” مجلس نيابي. وبذلك تغيب المراقبة والمحاسبة الحقيقيتان.

وبدلًا من أن تستفيد الحكومة من هذا القرار وتعود عن خطأها بالتفتيش عن موارد لتمويل السلسلة بعيدًا عن جيوب المواطنين، أقله بالعمل على وقف شبح الفساد والهدر والصفقات والسمسرات، ذهبت في تحدّيها لقمة العيش إلى حدّ أيقاف مفاعيل السلسلة، من دون أن تعي ما يمكن أن يؤدي إليه هكذا تصرف من ردود فعل في الشارع ومن دفع الناس إلى الكفر بكل شيء.

زر الذهاب إلى الأعلى