بأقلامكم

الشهابية لمحة تاريخية بقلم الدكتور علي درويش

الشهابية لمحة تاريخية

الموقع :

الشهابية ، بلدة لبنانية ، تقع جنوب لبنان وتتبع قضاء صور . وهي بلدة حديثة قامت على أنقاض قرية قديمة ، تقع على تلة بين جويا ، المجادل ودبعال غرباً ، كفردونين وديركيفا شرقاً ، سلعا وبافلية شمالاً ، ودير انطار وكفردونين جنوباً . تحيط بها الهضاب. تبعد عن بيروت حوالي 102 كلم ، و20 كلم عن مدينة صور مركز القضاء. وتبعد كذلك حوالي 25 كلم عن الحدود الجنوبية . تبلغ مساحة البلدة حوالي الستة كيلومترات مربعة (5.8 كلم2 ).

التسمية :

الشهابية ، هو الاسم الجديد للمكان الذي كان يسمى طيرزبنه / طيرزبنا ، هذا الاسم القديم للبلدة، هو تحوير لاحدى التسيمات التالية : إما (دير زينة)  والذي يعني مكان الزينة أو التزيين ، أو (دير زبنه) نسبة إلى كنيسة قديمة تعرف بـ (كنيسة زبنه) ، ويعيد البعض التسمية إلى التعبيير السرياني (دير زبنا) أي مكان السلاح . والأرجح أن النسبة إلى (دير زبنه) ــ التسمية الثانية ــ نظراً لوجود مكان في الشهابية يعرف بمنطقة (الكنيسة) يقوي نسبة البلدة إلى هذه التسمية.

هذه التسميات ، حورت إلى طيرزبنه الاسم القديم الذي عرفت به البلدة منذ وجودها حتى العام 1968 ، حيث أطلق اسم الشهابية بدلاً منه بموجب قانون صادر عن مجلس النواب اللبناني في 6 كانون الثاني عام 1968.

موجز تاريخي :

حسب الآثار القائمة ، يمكن القول أن الشهابية كغيرها من القرى القديمة ، سكنها الفلاحون الذين اعتنوا بارض الإقطاعيين ، وذلك منذ عهد الفينيقيين حتى العهد العثماني الذي انتهى عام 1918م.

يبدو أن الشهابية كانت قائمة في القرن التاسع الميلادي ، يؤكد ذلك الآثار القديمة والمقابر المنتشرة فيها . والظاهر أن القرية القديمة كانت قائمة إلى الجهة الشمالية الغربية للبلدة الحديثة ، ويدلل على ذلك وجود بقايا معصرة قديمة وقبور تعود إلى فترة زمنية قبل القرن العاشر الميلادي ، نظراً للخزفيات التي وجدت داخلها .

طيرزبنه قديماً / الشهابية حديثاً ،  قرية قديمة العهد ، لكن يصعب تحديد زمن انشائها ، نظراً لعدم وجود تاريخ مكتوب لهذه القرية / البلدة. لذا ، فإن تاريخها كتاريخ بقية المناطق التي شكلت الجنوب اللبناني قديماً وحديثاً . أي أن البلدة ، كانت جزءاً من منطقة صور الفينيقية[1] ، وتبعت للنفوذ السياسي للامبراطوريات التي تعاقبت : من مصرية إلى بابلية ، واشورية ، وكلدانية وفارسية ، ثم خضعت للاسكندر الكبير وكانت جزءاً من الامبراطورية السلوقية حتى الاجتياح الروماني . بعد ذلك أضحت صور ومناطقها ضمن الامبراطورية البيزنطية بعد تقسيم الامبراطورية الرومانية عام 395م.

كانت صور والساحل الفلسطيني والسوري جزءاً من بلاد الشام ، ومنطقة من الدولة الإسلامية التي هزمت البيزنطيين في القرن السابع الميلادي . وظلت كذلك حتى اجتياح الفرنجة [2] ، حيث تبعت صور لمملكة القدس حتى نهاية القرن الثالث عشر الميلادي وهزيمة الفرنجة عسكرياً .

بعد ذلك ، تبعت صور حكم المماليك ختى العام 1516 م ، حيث صارت تبعيتها بعد هذا التاريخ للعثمانيين ، وصارت جزءاً من ولاية الشام وعاصمتها دمشق حتى العام 1660م ، فصارت تبعيتها لولاية صيدا التي انشأها العثمانيون في تلك السنة . وعندما أنشأ العثمانيون ولاية بيروت عام 1888م ، اصبحت صور وتوابعها جزءاً من هذه الولاية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918م.

بعد الحرب العالمية الأولى ، احتل الحلفاء الولايات العثمانية ، وسيطر الفرنسيون على الجزء المخصص لهم حسب اتفاقية سايكس ــ بيكو [3]. وفي العام 1920م ، أعلن الفرنسيون قيام دولة (لبنان الكبير) وكانت صور جزءاً من هذه الدولة التي ستعلن جمهورية منذ 23 ايار عام 1926م.

ضمن هذا التاريخ المتقلب لمدينة صور ، كانت الشهابية جزءاً من منطقة صور وما زالت حتى الآن .

طرق العيش :اعتمد سكان الشهابية على الزراعة ، حيث يحرثون أراضيهم في فصل الخريف (بين أيلول وكانون الأول) ، ويزرعون المحاصيل الشتوية ، وفي الربيع (بين نيسان وحزيران) يزرعون المحاصيل الصيفية . كانت الطرق التقليدية معتمدة في الزراعة ، حيث كانت الأرض تحرث بواسطة الحيوانات ، التي تجر النير الخشبي . كانت الزراعات بعلية ، وأهمها القمح والشعير وغيرهما من الحبوب . أما حصاد هذه المواسم فكان بواسطة المنجل اليدوي ، قبل أن يحل مكانه الآلي حالياً . كانت هذه المحاصيل تنقل إلى البيدر بواسطة الجمال ، حيث يتم دراستها وفصل التبن عن الحبوب . أما الآن فتستخدم الوسائل الحديثة من الجرارات والحاصدات والدراسات وغيرها.

بالإضافة للزراعة ، اعتمد السكان على بعض الصناعات التي كانت رائجة ،وتعتمد على المحاصيل الزراعية (زيت الزيتون ..) ، والمشتقات الحيوانية (ألبان ، لحوم جلود ..) . كما مارسوا العمل التجاري المتعلق أيضاً بالأمور الزراعية ويعتبر متتماً لها ، كالمتاجرة بالغلال الزائدة وغيرها .

البيوت :معظم بيوت البلدة القديمة كانت مبنية بالحجارة والطين ، حيث كانت الجدران حجرية والسقوف طينية . كانت السقوف تمد فوق جذوع الأشجار المرصوصة ، تليها طبقة من الأغصان الأكثر نحافة ، وتغطى بالطين ، ثم يتم حدلها لتتماسك وتكون طبقة صلبة لا تخترقها الأمطار . يحمل هذا السقف قنطرة حجرية أو قنطرتين حسب كبر المنزل أو صغره ، فالبيت الصغير عادة فيه قنطرة واحدة ، أما الكبير فيستند سقفه إلى قنطرتين أو أكثر حسب اتساعه.

هذه النماذج القديمة من البيوت لا تزال قائمة ، لكن بشكلها المحدّث ، حيث تمت المحافظة على الهيكل الخارجي للمنزل ، وتم إبدال السطح الطيني بآخر من الاسمنت . أما البيوت الحديثة ، فمصنوعة من الاسمنت وبأشكال مختلفة ، ترتفع إلى عدة طبقات ، إضافة إلى الفيلات .

السكان :كما كانت الشهابية جزءاً من منطقة صور ، وعرفت التبعات والتقلبات السياسية التي عاشتها . كذلك شكل سكان الشهابية امتداداً للنسيج الاجتماعي الذي عرفته صور منذ أقدم عصورها حتى الآن . وامتزج سكانها مع الوافدين من الجوار وشكلوا معاً سكان البلدة الحاليين.

يزيد عدد سكان البلدة عن الخمسة عشر ألف نسمة ، يقطن أكثر من 80٪ منهم ي البلدة ، بينما يشكل المهاجرون حوالي 5٪ ، أما البقية أي الـ 15٪ فيقطنون مدينة بيروت. تمتاز الشهابية بكثافة سكانية عالية تقارب الثلاثة آلاف نسمة بالكيلومتر المربع الواحد . يتوزع أبناء الشهابية على سبع وأربعين عائلة هي ـــــــ حسب الترتيب الأبجدي ــــــــــ كما وردت في لوائح الشطب [4] :

اسماعيل ، ايوب ، باز ، بيضون ، حمادي ، حمزة ، حمود ، حيدر ، داغر ، درويش ، دقماق، ذيب ، رزق ، رقه ، ركين ، رمضان ، سلامي ، سلمان ، سليمان ، سمادي ، سنقنقي ، شحوري ، شعبان ، صالح ، صبرا ، صبيح ، طالب ، طباجه ، طه ، عاصي ، عسيلي ، عصفور ، عليان ، عواضة ، عياد ، فاضل ، فقيه ، قانصو ،كرنيب ، كيكي ، محفوظ ، منصور ، موسى ، ناصر الدين ، وهبه ، يوسف ، ويونس .

معظم ابناء هذه العائلات يدلون بأصواتهم داخل أقلام البلدة[5] . بالإضافة إلى عدد لابأس به ممن يقترعون في مدينة بيروت أو بعض أنحاء جبل لبنان أيضاً[6] .

لا يقتصر السكن في الشهابية ـــ كغيرها من الأماكن ـــ على أبنائها فقط ، بل يقطنها بشكل دائم العديد من أبناء القرى والبلدات المجاورة .

تتوزع أعمال أبناء البلدة حالياً على مختلف الأصناف ، والأعمال والمهن الحرة . حيث نجد العمال والأساتذة والأطباء والمحامين والتجار وغيرهم . كما طرق أبناء البلدة أبواب الهجرة ، التي تميز اللبنانيين منذ فترة زمنية طويلة .

تحولت القرية إلى بلدة في نهاية السبعينيات من القرن العشرين ، وذلك بفضل عدة عوامل : كالحرب الأهلية عام 1975م ، التي أعادت الكثير من العائلات النازحة ، وكذلك وجود القوات الدولية منذ العام 1978م ، واتخاذهم من البلدة مركزاً لجزء هام من قواتهم في بداية وصولهم إلى لبنان ولفترة استمرت إلى ما بعد العام 1982 م. إضافة لاستفادة أبناء البلدة من التطور الذي واكب نهايات القرن  العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين .


[1]أُتبعت البلدة إلى منطقة بنت جبيل في عهد الانتداب الفرنسي ومطلع الاستقلال ، لكن فعاليات البلدة ، طالبوا بإعادتها إلى قضاء صور ، وهو الواقع الآن .

[2]أو ما أطلق الاوربيون عليه أسم الحروب الصليبية.

[3] معاهدة سايكس ـ بيكو الشهيرة التي وقعت عام 1916 بين الانكليز والفرنسيين والروس لتقاسم الأراضي التي كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية.

[4] اسماء العائلات كما وردت في لوائح الشطب .

[5] وهي تقارب الخمسة آلاف ناخب وناخبة .

[6] حيث لا يقل عدد الناخبين من الذكور والاناث عن الألف .