أخبار لبنان و العالم

الواقع كما هو: هكذا نجا فريق الميادين من سيارة مفخخة في تلعفر

في خضم كل هذا سمعت صراخاً “سيارة مفخخة!!”، ركضت وأنا أنقل الحدث على الهواء مباشرةً وإذ تظهر العربة أمامي، كانت متوجهة نحونا!، التفتُ فوجدت المصور بجانبي ينقل المشهد عبر كاميرته، منظر العربة المفخخة وهي تتقدم تجاهنا بسرعة، أذهل الفريق، كأننا أصبحنا في عالم آخر، أدركنا أن وصول العربة المفخخة إلى موقعنا يعني النهاية

صباحاً انطلقنا نحو الخطوط المتقدمة من الجبهة الغربية لنينوى، بعد أن فقدنا الاتصال بالزميلين عبد الله بدران والمصوّر غسان نجار اللذين قضيا الليل مع القوات العسكرية في الخطوط المتقدمة من الجبهة بعد أن علما من مصادر عسكرية أن القرار اتُخذ للوصول إلى مطار تلعفر.
كنا أربعة أشخاص، أنا والزملاء محمد إرسلان (مهندس بث)، أديب عبد السادة (مصور) وعبد الله فرحان (مساعد مصور). قد يكون المراسل في واجهة الصورة، لكن الحق يُقال، أن خلف الصورة شجعاناً من تقنيين ومصورين ومساعدين يشكلون عماداً لأي تغطية ميدانية. وجهتنا المحور الغربي، أربع ساعات من القيادة المتواصلة في صحراء نينوى، قطع فيها الفريق ٥٠ كلم مع القوات الأمنية العراقية والحشد الشعبي. كان المشهد في الطريق متشابهاً، رمال متصاعدة في الصحراء نتيجة مرور الآليات، وعمق بادية لا يظهر في أفقها سوى أشعة الشمس الحارقة، وجنود تغيّرت ملامحهم، فاختفت سمرة زنودهم تحت غبار الصحراء الذي غطاهم من الرأس حتى أخمص القدمين. دبابات الأبرامز و”تي ٧٢”، ناقلات الجند، والسيارات الرباعية الدفع، منطلقة على الرمال بحذر، فالمهمة تقتضي شق طريق بطول ١٨ كلم وعرض ٤ كلم في محيط معادٍ حتى الوصول إلى أسوار مطار تلعفر.  

بعد أن أتعبنا المسير، لمحنا في الأفق دخاناً أسود، وعلى وقع هدير الطائرات المروحية المقاتلة، “وصلنا الى المطار” صرخ الزميل محمد ارسلان. شيئاً فشيئاً، بدأت أصوات الاشتباكات تُسمع بوضوح، وقذائف الهاون باتت تتساقط على يمين عربة البث ويسارها، إلى أن وصلنا إلى تلٍ في الخطوط المتقدمة. كان الوضع مرعباً، رصاص القنص يضرب الرمال الساكنة، والآليات العسكرية تطلق نيرانها على مصادر إطلاق النار. 

ليس هيّناً على المرء أن يكون في سوح القتال، فالمعارك تحتاج إلى إرادة صلبة، وشجاعة نادرة، تُتَرجم بالثبات في الميدان، هذا بالنسبة للمقاتل، فكيف إذا كانت المهمة صحفية؟ ركن محمد عربة البث خلف التل لتكون محميةً من القنص وقذائف الهاون. “سأرسل إشارة إلى بيروت بعد أن أعيد تركيب عربة البث” قالها ضاحكاً، فقد تفككت أجهزة البث من جراء الطريق الوعر الذي سلكناه.تواصل الزملاء مع مقر الميادين الرئيسي وأبلغوهم بموقعنا، امتشق أديب كاميرته وتوجه الى حرف التلة راكضاً، فيما لحق به عبد الله حاملاً “كابل الكاميرا” الذي ينقل صورة الكاميرا إلى عربة البث ومنها إلى الميادين.
مشهد القناصة الذين يطلقون نيرانهم من أعلى التل ينذر بضراوة الاشتباك، القناصة بوضعيتهم العسكرية التي تقتضي الانبطاح يؤمنون التغطية لتقنيي الميادين أثناء نصبهم الكاميرا. “نحن على الهواء مباشرة” صرخ مهندس البث من أسفل التل، الخبر كان أولوية حينها “وصلت القوات العراقية المتمثلة بالحشد الشعبي إلى أسوار مطار تلعفر”. بهذه العبارة تم الإعلان عن الخبر العاجل. أفسح المجال للكاميرا بأن تلتقط الدخان في عمق المطار، هذا ما رآه المشاهد، أما في الكواليس، وأثناء نقل مجريات الأحداث، طُبعت مشاهد لا تنسى، المصوّر أديب وجراء رصاص القنص انبطح تحت الكاميرا ليحركها من مكانه أرضاً، الجنود يردّون على النار بالنار، فيما الطائرات تقصف مواقع داعش في المطار. 

في خضم كل هذا سمعت صراخاً “سيارة مفخخة!!”، ركضت وأنا أنقل الحدث على الهواء مباشرةً وإذ تظهر العربة أمامي، كانت متوجهة نحونا!، التفتُ فوجدت المصور بجانبي ينقل المشهد عبر كاميرته، منظر العربة المفخخة وهي تتقدم تجاهنا بسرعة، أذهل الفريق، كأننا أصبحنا في عالم آخر، أدركنا أن وصول العربة المفخخة إلى موقعنا يعني النهاية.
منذ أن انطلق فريق عمل الميادين في تغطيته لعمليات تحرير الموصل من تنظيم داعش، كان القرار هو نفسه كما كل التغطيات السابقة بأن تترجم شاشة “الواقع كما هو” شعارها إلى أفعال. لم يختلف الأمر أمام مشهد السيارة وهي تتقدم باتجاهنا. بل إن  انغماسنا في أداء عملنا لنقل الصورة وإيضاح مجريات المعركة، حال دون شعورنا بواقع يعني الموت في حال نجح الانتحاري بمسعاه. وفيما كان الزميل المصوّر يلتقط صورة العربة وهي تتقدم نحونا، أشار مساعد المصوّر إلى آلية عسكرية تابعة للحشد الشعبي، تحمل صواريخ حرارية تلتف إلى أمام التل، وبالفعل أطلق أول صاروخ حراري من نوع “كورنيت” فسجلت الكاميرا مكان سقوطه. أخطأ الصاروخ هدفه، ليزداد الخطر، ثوانٍ معدودات، ويُطلق الصاروخ الثاني، وفجأة دوّى انفجار كبير.. تم تفجير العربة!لحظة تخطف الأنفاس، لم يعد أحد فينا بوعيه، أديب رفع يديه صارخاً “دمّروها”، فيما ندهتُ “الله …”. في تلك اللحظات كان قصدي أن أصرخ “الله أكبر” كردة فعل لا إرادية أمام المشهد، ولكن في منتصف العبارة استدركت الوضع، لأتابع وصف المجريات الميدانية عبر هواء الميادين.كانت الابتسامة عنوان اللحظة، نظرت إلى الزملاء وفي عيونهم بدا شعورُ لا يوصف حقاً، هل ما حدث حقيقي! نجونا من الموت، لكن الأهم بالنسبة لنا، أننا استطعنا الاستمرار. 

وصل الزميل عبد الله بدران مع الزميل غسان نجار من الخطوط المتقدمة بمعلومات عن الجبهة، ليكمل الفريق التغطية الإعلامية للعمليات العسكرية حتى مغيب الشمس. من بين عشرات التغطيات الميدانية، كانت تلك تجربةٌ صعبة بالفعل. لو أن فريق الميادين انسحب على الهواء، لكان داعش حقق مسعاه في نشر بروباغندا الرعب التي يتبناها، إلا أن إيمان الفريق بعقيدة الميادين الإعلامية بضرورة نقل الواقع كما هو، وأداءه الجماعي المتناسق حال دون وقوف إرهاب داعش أمام الرسالة الإعلامية للميادين، فنقلت الصورة مجدداً واقع المعركة.. كما هو.هذه حكاية من عشرات، وللبقية تتمة.