محليات

حسّان دياب… “دبّروا راسكُم”

“ليبانون ديبايت” – عبدالله قمح

“طقّت مرارة” حسان دياب من “القعدة” في السراي. الرّجل يُريد أن يتحرّر، ليس من المسؤولية بل من عبء

الطبقة السياسية. رئيس حكومة تصريف الأعمال ولو أتيح له الحديث حول تجربة الشهور الـ8 التي قضاها في

“القلعة” لكان فضح عاليها و واطيها!

منذ مدة، أبلغ دياب مضامين توجّهاته إلى المقرّبين منه. “يريد أن يرتاح، وزمن راحته يبدأ من لحظة مغادرة

السراي. حتى ذلك الوقت لن يتخذ أي قرار غير شعبوي وفيه أذية للناس“.

يصارح دياب المقربين منه حول وجود توجّه لدى فرقاء سياسيين لتوريطه بإتخاذ قرارات في ظل حكومة تصريف الاعمال ستؤدي حكماً إلى إنفجار ثورة أضخم من ثورة 17 تشرين.

يحدث ذلك في ظل إمطاره بالغزل السياسي بنية اغوائه لدفعه صوب الدعوة إلى عقد جلسة لحكومة تصريف الأعمال. في آخر ايام ولايته يريدون تحميله المسؤولية، وفي ذلك إنقاذ للحكومة العتيدة من التورّط في إتخاذ مثل هذه القرارات. يريدون إدخال “الحكومة على نضيف وإخراجي على وسخ!”.

نموذج آخر من ألاعيب الطبقة “الوسخة” إذاً. شهد دياب محطات ونماذج عدة منها، لم يكن اولها قلب وزراء عليه وتحول آخرين إلى “باش كتبة” لدى من سمّوهم، وليس آخرها تنكّر هؤلاء لرئيسهم والتعامل معه كأنه خصم حتى وصل ببعضهم الأمر إلى “تبليكه” وعدم الرّد عليه! كان ذلك ثمناً للدق في مغارة الأربعين حرامي! عملياً، هذه نتيجة الوزراء الاختصاصيين المزعومين التي يُعاد تقديمها اليوم ضمن قالب جديد.

وهذا الأسلوب الساذج مستمر. الآن، ثمة من لديه مصلحة في إنقاذ حكومة سعد الحريري حتى قبل تأليفها ويرهن نفسه عند حسن إحاطتها بحماية سياسية باكراً. هذا عملياً ينقلنا إلى فرضيات أخرى تستبطن أسباباً إضافية لعرقلة تأليف الحكومة، أسباباً مضمرة لا تقل أهمية عن تلك المعلنة. بإختصار، ما يحول دون تأليف الحكومة، عدم إنضاج تخريجة لمعضلة رفع الدعم!

أكثر ما يقدر دياب على تقديمه الآن، عقد اجتماعات للجان وإشراف على أخرى تحت خانة “الملفات القاهرة“، وقضية “رفع الدعم” عن سلع أساسية. ينقل العارفون عن دياب كلاماً حاداً أطلقه خلال إنعقاد آخر إجتماع للجنة المال في قصر بعبدا في معرض فتح النقاش حول “رفع الدعم“. توجه لرئيس الجمهورية ميشال عون على مسمع كل من وزير المالي غازي وزني وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة والاعضاء الحكميين في اللجنة بالقول: “فخامة الرئيس، أنا لا أوافق على رفع الدعم في ظل غياب البديل، ولن أنهي مهمتي بهذه الطريقة. لديكم متسع من الوقت، أمامكم مهمة تشكيل حكومة، ألفوا الحكومة وافعلوا ما شئتم“.

مثّل هكذا الكلام النقطة التي فاضت بها الكأس. كأن بدياب يقول: “دبروا راسكم من دوني، أنا لن أتورّط“. ثمة من بين عناصر الطبقة من يجده محروقاً لذلك يتمادى في طرح الافكار وفي باله أنه يستطيع مقايضة دياب على أمر يجني ثماره لاحقاً، لكن رئيس حكومة تصريف الأعمال ليس في هذا الوارد ابداً. قال لن أمشي برفع الدعم، ولن أمشي بعقد جلسة، وانتهى الأمر.

هكذا، كفر الرجل بكل أركان الطبقة السياسية. هو في منتهى الصراحة حين يتحدث عن أن التغيير في هذا البلد مثل الحفر بالحجر، متعب وصعب ويحتاج إلى معدات وآلات خاصة وقبل ذلك توافر نيات. إسألوا الفايرو ومارسال ما كانت بها خبيرا.

للحقيقة، ما عاد دياب يقضي وقته في السراي الكبير. انتقلت عائلته قبل مدة من جناحها في السراي، سرعان ما لحق بها هو. يقضي معظم وقته في منزله الكائن في تلة الخياط، ينام هناك ويأكل هناك ويشاهد التلفاز. ما عادت جدران السراي تتسع له وهو لا يقدر على تحملها. ما يربطه حالياً مع مقر الرئاسة الثالثة مواعيد وضيوف ولجان لا أكثر، ولو خير له لكان أنجزَ ما عليه من منزله “فري لانس“.

على عكس ما يُشاع، يعوّل دياب على تأليف حكومة. يطلبها اليوم قبل الغد، ففي التأليف خلاص له من حصار جدران ثقيلة سياسياً. هذا سبب إضافي يمنع دياب من الدعوة إلى إجتماع حكومة كي يبقى ذرائع التأليف نشطة! ليس سراً أن رئيس حكومة تصريف الأعمال تلقى أكثر من دعوة من هذا القبيل، وقد نال وعداً بتغطية حركته سياسياً بحكم ان الدستور يغطي مثل هذه القضايا تحت سقف “الحاجة والضرورة“. آخر دعوة تلقّاها من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط رغم السقف المرتفع في الخصومة السياسية بين الرجلين، لكن دياب آثر الصمت، وعلى ما يبدو ليس في وارد منح الطبقة هذا الشرف!

في الواقع، يعيش دياب في استقلالية كاملة هذه الأيام منعزلاً عن الضغوطات السياسية، وهو بحكم التجربة المرّة لا يحبذ العودة إلى العهد القديم، لذا، لا يريد تسليف أركان هذه الطبقة أي موقف بعد كل الذي جرى وافتعلَ بحقه خلال ولايته، ولو كان هؤلاء على نية سليمة من أمرهم لكانوا ساعدوه خلال مهمته الاصلية لا نصبوا له الافخاخ!