أخبار لبنان و العالم

دول خليجية ترحّل لبنانيين … و مؤسساتها المالية تلاحق «قروضهم»!

«الترحيل» أو «التسفير» أو «الإبعاد» مصطلحات مختلفة، تستخدم في الدول الخليجية للدلالة على عمليات الطرد التي تتم بحق مقيمين وبينهم بطبيعة الحال مواطنون لبنانيون، بعضهم يقيم هناك منذ فترة طويلة والبعض الآخر لم تمض سنوات قليلة على إقامته.
الأخطر من الترحيل، هو الانتقال الى مرحلة المحاكمات في ضوء القرارات الأخيرة التي اتخذتها دول مجلس التعاون الخليجي بتصنيف «حزب الله» تنظيما «إرهابيا»، وبالتالي، صار يحق للمحاكم في الدول الخليجية أن تخضع أي «متهم» للتحقيق استنادا الى هذا التصنيف، وخير دليل على ذلك أن بعض الدول ومنها دولة الإمارات أنشأت دوائر رسمية لمكافحة الإرهاب بكل مسمياته، وصار هناك أكثر من لبناني قيد المحاكمة، ابرزهم اللبنانية (ر. ع.) التي تخضع للمحاكمة في دولة الامارات بتهمة الصلات التي تربطها بـ «حزب الله» علما أنها متزوجة من إماراتي منذ سنوات عدة!
في كانون الثاني من العام 2013، اتصل ضابط في «دائرة البحث والمتابعة» القطرية، بأحد اللبنانيين المقيمين، ولدى مثول الأخير أمامه، قال له الضابط إن هناك أمر ترحيل بحقه وزوجته وأولاده، وعليهم جميعا المغادرة خلال 72 ساعة. طلب الأمن كفيلا قطريا وإذا تعذر فليكن لبنانيا، لضمان المغادرة.
لاحقا، احتجزت جوازات سفر الشاب وعائلته إضافة إلى جواز سفر الكفيل، في ظل إيحاءات من الأمن القطري بإمكان دخوله السجن، خصوصا أن القانون في قطر يمنح وزير داخليتها حق توقيف أي شخص إداريا لمدة ستة أشهر من دون أي تهمة.
ولدى مغادرته مطار الدوحة، تسلم الشاب اللبناني ورقة كتب عليها أن سبب «الإبعاد»، هو «بأمر من سعادة السيد مدير عام الأمن العام» (القطري)، مع منع عودة يشمل الطفلين اللذين حُرم أحدهما من إكمال عامه الدراسي.
كان الشاب واحدا من بين 20 لبنانيا قررت قطر طردهم، في بداية العام 2013 لتتوالى بعدها عمليات إبعاد اللبنانيين، بعضها جرى مباشرة عبر «دائرة البحث والمتابعة»، وبعضها غير مباشر كأن يتم فصل اللبنانيين من وظائفهم ومنعهم من نقل الكفالة إذا ما حصلوا على فرصة عمل أخرى.
وتشترك قطر مع السعودية في تطبيق نظام للكفالة، يمنع بموجبه على «المكفول» مغادرة الأراضي القطرية والسعودية إلا بناء على إذن من كفيله ولا يحق له تغيير عمله إلا بإذنه. وحدث أن بعض الكفلاء كانوا يتقاضون مبالغ مادية تتراوح بين 5 إلى 10 آلاف دولار لقاء نقل الكفالة.

وإذا كانت قطر قد لجأت إلى ترحيل اللبنانيين بصيغة «مجموعات صغيرة» حتى لا يبدو الأمر وكأنه عملية ترحيل منظمة، إلا أن ما يجري في الإمارات هو الأخطر، إذ لم تكتف هذه الدولة بالترحيل بل عمدت الى اعتقال لبنانيين ولا تزال تسجن بعضهم بلا توجيه تهم إليهم وبلا محاكمات، ومؤخرا بدأت تعتقل وتحاكم.
آخر دفعة تم طردها من الامارات كانت في رمضان الماضي، إذ تم ترحيل نحو ثلاثين شخصا معظمهم من بلدة جنوبية واحدة. بين هؤلاء الشاب أشرف (اسم مستعار) الذي تلقى اتصالا من دائرة البحث والمتابعة خلال تناوله طعام الإفطار. أشرف البالغ من العمر 27 عاما ولد في الإمارات وعاش فيها ويتكلم بلهجة أهلها، لكن كل ذلك لم يشفع له. وكان المستغرب أن الضابط الذي أبلغه بالقرار سأله: لماذا لا تبكي، فأجابه ولمَ أبكي؟ بالعكس أنا سعيد جدا.
قبل أشرف، تم ترحيل جميل (اسم مستعار) واثنين من إخوته، ومأساة هذه العائلة ليست فقط بترحيل ثلاثة من أبنائها، بل بوجود ابن لها داخل السجن الإماراتي منذ سنوات من دون أي التفاتة لبنانية رسمية لهذا الأمر.
يذكر رئيس لجنة المبعدين من الإمارات حسان عليان أن أحد الشبان تم توقيفه لمدة 55 يوما في السجون الإماراتية من دون أي تهمة، فقط لأنه من عائلة أحد مسؤولي «حزب الله»، مشيرا إلى أنه عندما كان يتم توقيف اللبنانيين، لم يكن يسمح لهم بالاتصال بعائلاتهم التي كانت تظل لشهور لا تعرف عنهم شيئا.
ويؤكد عليان لـ «السفير» أن الأمن الإماراتي اعتقل أيضا شابين من الجنوب اللبناني بتهمة تشكيل خلية لـ «حزب الله» وقد أودع الشابان السجن الانفرادي لمدة سنتين تقريبا، ولما كانت التهمة غير ثابتة عليهما اضطر القضاء الإماراتي إلى الإفراج عنهما، وقد عادا إلى لبنان منذ أيام.
معاناة المبعدين اللبنانيين لا تنتهي بمجرد مغادرتهم الخليج، إذ عمد بعض المؤسسات المالية الإماراتية إلى ملاحقة هؤلاء، بسبب التزامات مالية كانوا قد وضعوها على كاهلهم بشكل قروض أو بطاقات اعتماد.
وبحسب رئيس لجنة المبعدين اللبنانيين من دول الخليج، فإن المؤسسات الدائنة انتدبت شركة «أصول» لتحصيل أموالها من المبعدين، وقد أوكلت الشركة المذكورة هذا الأمر إلى بعض مكاتب المحاماة التي بدأت بالاتصال بالمبعدين وتلوح برفع دعاوى بحقهم أمام القضاء، ما زاد في معاناتهم، خصوصا أن معظمهم ليسوا من أصحاب الأموال بل كانوا موظفين عاديين، إضافة إلى أن آخرين سلبوا شركاتهم وممتلكاتهم أو اضطروا للتنازل عنها بأبخس الأثمان.
ويشير عليان إلى أن أكثر ما يقلق المبعدين هو أن ترفع شكاوى ضدهم وتصدر بحقهم مذكرات بحث وتحر، لأنهم يخشون توقيفهم وبالتالي سجنهم، ما يضطرهم إلى تسديد مبالغ لا يملكونها أصلا. لذلك أخذت اللجنة على عاتقها أن تدافع عن هؤلاء من خلال البحث عن تسويات مع المؤسسات الدائنة على أساس أن الدعاوى لن تعود بالفائدة على البنوك، وبذلك تتولى مكاتب المحاماة الموكلة أن ترفع مذكرات إلى شركة «أصول» أو البنك المعني، تنص على تسويات معينة.
وإذ يلفت عليان النظر إلى أن هناك مكاتب محاماة ترفض تولي هذه القضايا، يعبر عن اسفه لأن هناك من يقبلها من دون أن يتعامل معها إنسانيا. وذلك ما حدث عندما وصلت إحدى الشكاوى إلى القضاء الذي حكم على أحد المبعدين بالسجن ثلاثة أشهر قبل أن يطلق سراحه بكفالة مالية، وبقيت قضيته مفتوحة.
وعما إذا كان يحق للمحامين أن يرفضوا مثل هذه الدعاوى، يؤكد نقيب المحامين في بيروت جوزف الهاشم لـ «السفير» أنه لا رئيس للمحامي وبإمكانه أن يرفض أو يقبل أي قضية، ونقابة المحامين لا تتدخل في مثل هذه القضايا لفرض رأي على المحامين لكن ما يمكن أن تقدمه هو تكليف محامين للدفاع عن قضايا المبعدين عبر تقديمهم طلب معونة قضائية، لكن شرط أن يثبتوا عدم قدرتهم المالية.
منذ أيام سمع المبعدون وزير العمل اللبناني سجعان قزي يجزم بأن لبنان سيعامل السويد بالمثل، ردا على ترحيلها للبنانيين من الأراضي السويدية. يقول هشام (اسم مستعار) تعليقا على كلام قزي: أنضحك أم نبكي فرحا لسماع مثل هذا الكلام؟
حقيقة الأمر الذي يدركه المبعدون أن الحكومة اللبنانية عموما ووزارة الخارجية خصوصا لا تهمل قضيتهم بل هي شبه مستسلمة للقرارات الخليجية. وعندما توجه البعض من المبعدين الى أحد الوزارء للمراجعة، أجابه الوزير المعني بالملف: «لقد أثرنا الموضوع وكان الجواب الرسمي الاماراتي أن أسباب ترحيلك أمنية وغير قابلة للمناقشة».
بطبيعة الحال، لا يريد المبعدون من الحكومة اللبنانية أن تتعامل مع الدول الخليجية بالمثل، على طريقة سجعان قزي، لإدراكهم أن الحسابات السياسية لبعض القوى السياسية اللبنانية وخصوصا وزير الخارجية جبران باسيل لا تسمح بفتح اشتباك ولا بمراجعة أية دولة خليجية بهذا الملف، علما أنه توجد دائرة للشؤون العربية في مديرية الشؤون السياسية ومديرية للمغتربين في وزارة الخارجية تقع على عاتق كل منهما ملاحقة هذه القضية، وهما لا تبادران الى الحد الأدنى!
يرى المبعدون أن لبنان «يقف عاجزا وخائفا كلما تعلق الأمر بالدول الخليجية، خصوصا أن هناك أطرافا لبنانية تخشى من انعكاس المراجعات سلبا على الاقتصاد اللبناني، فضلا عن الخشية من ردود فعل انتقامية تطال اللبنانيين الذين لا يزالون هناك. وعليه لعل أبلغ رد هو ما جاء من قبل الإمارات نفسها، خلال زيارة قام بها الرئيس نبيه بري إليها في العام 2009. وقتذاك قال الإماراتيون بوجود الرئيس بري، إن قضية «الإبعاد» قضية سيادية ولا يحق لأي طرف التدخل فيها. وربما ذلك ما يفسر كيف امتدت مهلة العشرين يوما التي كان الرئيس بري قد طلبها لحل الملف، إلى سبع سنوات!