محليات

فارق بالتسعيرات بين صيدليات صور وبيروت والمناطق الاخرى… علبة الحليب اكثر من 100 الف ليرة، فمن يضبط جشع التجار وغيرهم من المتورطين؟

“تحت عنوان “الصيدليات ليست بريئة… وعبوة الحليب تفوق 100 ألف ليرة”، كتبت عزة الحاج حسن في موقع المدن:

لا يُستثنى أحد من جريمة النقص الحاصل في حليب الأطفال بالأسواق اللبنانية. فالجميع يشارك بعملية التلاعب بصحة الأطفال، لأسباب قد تختلف بين مصرف لبنان والمستورد والموزع والصيدلي. لكن بالنتيجة الجميع متورطون بإذلال آلاف العائلات، الساعية يومياً للاستحصال على علبة حليب أطفال.

مهما كانت أسباب فقدان حليب الأطفال من السوق، تبقى جذور الأزمة قائمة على الاحتكار وسيطرة 3 إلى 4 شركات على نحو 80 في المئة من حجم السوق، وتحكّمها بالأسعار والكميات المسلّمة. ولا تسقط المسؤولية عن مصرف لبنان لناحية التأخر بإعطاء الموافقات لفتح اعتمادات الاستيراد من جهة، وعلى التفتيش الصيدلي المستقيل من مهامه، على الرغم من كل الفوضى التي يعاني منها سوق الدواء والحليب، والتي يساهم فيها الكثير من الصيادلة.

احتكار وتقنين
يكفي القيام بجولة قصيرة على الصيدليات لتتّضح صورة تواطؤ البعض مع الوكلاء أو مستوردي حليب الأطفال وعشوائية التسعير. وقد رصدت “المدن” عدداً من الصيدليات في بيروت، من بينها صيدلية محيو في محلة تلة الخياط، تقوم بحصر بيع عبوات الحليب لزبائن محدّدين، وبشكل علني، في مقابل إنكار وجود حليب لأي زبون آخر يطلب شراء عبوة. فيكون الجواب حاسماً “الحليب مقطوع”. علماً أن ذريعة تقنين بيع الحليب تسقط عندما تقوم الصيدلية ببيع عبوتين أو أكثر لزبون واحد. وهو ما حصل فعلياً في الصيدلية.

تكاد لا تمر 10 دقائق، على مدار اليوم، إلا ويدخل أحد إلى أي صيدلية، ويسأل عن عبوة حليب أطفال، خصوصاً تلك المخصّصة للأعمار التي تفوق السنة الواحدة، يقول أكثر من صيدلي في بيروت. فبعض أنواع الحليب انقطعت كلياً منذ قرابة الشهر. وبعضها الآخر تقوم الشركات المستوردة لها بتوزيعها بكميات لا تكفي لتغطية الطلب لمدة 24 ساعة فقط.

تستحوذ عدة شركات على الحصة الأكبر من السوق اللبنانية باستيراد أكثر أنواع الحليب طلباً كالـBledi up الذي تستورده شركة “فتّال” والـNovalac تستورده شركة أبو عضل، والـAptamil تستورده شركة FDC، إلى جانب العديد من الشركات ذات الحصص السوقية الأصغر، كشركة فرعون التي تستورد الـSimilac وغيرها.

وفق العديد من الصيادلة، فإن الشركات المستوردة للحليب والمستودعات تقوم بتقنّين كميات التسليم للصيدليات والسوبر ماركت، في سبيل ضمان عدم الانقطاع كلياً من المواد، ريثما يوافق مصرف لبنان على كميات الاستيراد المقدّمة من قبل المستوردين. ولا شك أن تأخر مصرف لبنان بمنح موافقاته على عمليات الاستيراد، فتحَ باب الأزمة وزرع الخوف في نفوس المواطنين، القلقين على تأمين الحليب لأطفالهم بشكل دوري منظّم. وشكّل في الوقت عينه ذريعة لبعض المستوردين لاحتكار المنتجات وتخزينها، أو بيعها للمحظيين والمقرّبين منهم.

ويؤكد أحد صيادلة أنه في الأشهر التي سبقت مطلع العام 2021، كانت الشركات تقنّن بيع الحليب، مثل فتّال على سبيل المثال، التي كانت تسلّم الصيدليات 6 عبوات bledi up فقط كل 15 يوماً. وحتى حليب “النيدو” لا يتجاوز التسليم منه 12 عبوة صغيرة (400 غرام). وهي كميات لا تكفي لسد طلب الناس في يوم واحد. أما منذ قرابة الشهر وحتى اليوم، وفق الصيدلي، فالحليب للمرحلة العمرية الثالثة مقطوع بشكل شبه كلّي. وكل ما حصل عليه الصيادلة 3 عبوات حليب، تم توزيعها عقب مداهمة مستودعات أبو عضل، وثبوت احتكارها لكميات كبيرة من الحليب.

غلاء وجشع
حال الصيدلي لا ينطبق بالضرورة على كافة الصيادلة، وإن كان غالبيتهم يعانون من انقطاع الحليب. إلا أن بعضهم يبني خطوطاً مباشرة مع المستورد، ويحظى بكميات جيدة من الحليب يخصّصها لزبائنه حصراً، وبأسعار غالباً ما تكون خيالية.

وفي نظرة سريعة على فوارق أسعار الحليب بين الصيدليات ثمة من يبيع عبوة Bledi up في منطقة صور بـ60 ألف ليرة، وصيدلي آخر في بيروت يبيعها بـ95 ألف ليرة، وآخر يبيعها بما يفوق 100 ألف ليرة، وفق ما يؤكد أكثر من مصدر.

في ظل كل الفوضى والتجاوزات الحاصلة في قطاع الأدوية والحليب، وحتى المستلزمات الطبية، لم نشهد تحرّكات تذكر من قبل المعنيين بالتفتيش الصيدلي، إن في وزارة الصحة أو نقابة الصيادلة. وإذا كان التفتيش الصيدلي في وزارة الصحة يتحرّك بناء على إحداثيات معيّنة وشكاوى محدّدة فقط، إلا أن التفتيش الصيدلي التابع لنقابة الصيادلة لم يأت بحركة منذ بداية الأزمة وحتى اليوم. حتى أن الصيدليات التي جالت عليها “المدن” لم يذكر أي منها أن التفتيش الصيدلي مرّ عليه يوماً.

لا رقابة
ولا يقتصر التقصير على عدم ممارسة الرقابة وضبط الاحتكار والتخزين والتلاعب بالأسعار فحسب، بل يتعداها أحياناً إلى التقاعس عن التحرك وفق ما تتيح القوانين. فالمداهمات التي قامت بها مؤخراً وزارة الاقتصاد على مستودعات مواد غذائية، تم خلالها ضبط كميات كبيرة من الحليب، استدعت إغلاق المستودعات بالشمع الأحمر، بناء على إشارة القضاء المختص. بمعنى أن قضية احتكار الحليب أحيلت إلى القضاء. ولا شك أن مقاضاة المحتكرين واجبة. لكن ماذا عن الحليب الذي تم احتجازه في المستودعات المغلقة بانتظار حكم قضائي؟ وكلنا يعلم المدد الزمنية التي تستغرقها المحاكمات، والوضع الحالي لا يحتمل استنفاذ صلاحية آلاف عبوات الحليب.

عندما داهمت وزارة الاقتصاد الشركة المحتكرة للمواد الغذائية المدعومة والحليب، وجب حينها على وزارة الصحة التدخل فوراً بموجب الصلاحيات الاستثنائية الممنوحة قانونياً للوزير، والقاضية بحقه في التدخل فوراً، ووضع اليد على أي مواد صيدلانية محتكرة أو مهربة أو معدة للتهريب، إن كانت دواءً أو حليباً أو أي مستحضر صيدلاني آخر، يقول مصدر قانوني متابع للقضية. إلا أن وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال، حمد حسن، تأخر بالتحرك لما بعد استصدار إشارة قضائية بإغلاق المستودعات بالشمع الأحمر. لكن ذلك لا يمنع وزير الصحة اليوم من القيام بالواجب عينه، بعد الطلب من القضاء بإخراج كميات الحليب المُخزّنة والتصرف بها، وتوزيعها على الأسواق برعاية الأمن، على غرار ما حصل سابقاً في ملف المحروقات. ووفق المصدر القانوني، فإن سجالاً حصل بين وزيري الصحة والاقتصاد على خلفية المداهمات والصلاحيات، علماً أن الوضع الاستثنائي يستدعي من الجميع توحيد جهودهم والتنسيق التام لمواجهة الأزمة، وتأمين الحليب للأطفال المخزن لدى التجار.

زر الذهاب إلى الأعلى