محليات

“في تلك الليلة عشتُ موتي وصوتها أعادني إلى “خط الحياة”!

قصّة طوني قصّة أمل وحياة، نُسلّط الضوء عليها في اليوم العالميّ للصحّة النفسيّة، في سلسلة مواضيع سننشرها في “النهار”، تحت شعار #كون_منيح. صراع الموت والحياة، المشاعر السلبيّة والنزاعات التي يتخبّط فيها اللبنانيّ، في ظلّ الظروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة والصحّية. تذكّر دائماً أنّ حالة الضعف لن تدوم. لو طرقت الباب وطلبت المساعدة، لا تخجل من الإفصاح عن مشاعرك وهواجسك، فثمّة من ينتظرك دائماً على الطرف الآخر من السكّة!

كانت أفكاره تُطارده منذ صغره. قد يصعب على البعض تقبّل ذلك، لكنّه في داخله كان يعرف أنّه ليس سعيداً، بالرغم من أنّه كان في الثالثة عشرة من عمره فقط. أيُعقل ألا يكون سعيداً؟

نعم، حتى لو كان صغيراً، فالسّعادة والراحة النفسيّة والسّلام الداخلي حالات نفسيّة ليست مرتبطة بعمر إنّما بعوامل مساعدة أو مؤثرة تجعل منّا ما نحن عليه اليوم.

هذه الانكسارات، الخيبات، المشاعر السلبيّة لن تأتي اعتباطاً أو على غفلة، بل هي تراكم سنوات وأشهر، قد حفرت جرحاً داخليّاً غير مرئي، يؤلمنا بصمت من دون أن نفهم ما يجري حقيقة.

لم يكن طوني طوما يُعطي أهمية لما كان يتعرّض له في طفولته من تنمّر خلّف وراءه آثاراً لم يعرف بوجودها إلا بعد سنين. هذه الحقائق لم تتكشّف بالصدفة، بل استغرقت علاجات وجلسات وتخبّطاً انتهى بمواجهة قاسية مع الحياة.

يجب أن نعترف علناً أنه بالرغم من التطوّر الكبير في الحديث عن الاضطرابات النفسية في المجتمع وتقبّله، فإننا ما زلنا نعيش في دائرة الخوف والقلق وعدم الراحة في الإفصاح عمّا يعترينا خوفاً من الأحكام والنظرات و…الشفقة!

الصحّة النفسيّة توازي بأهمّيتها الصحّة الجسديّة، فلا تختلفان كثيراً. الأولى تداوي الجروح الداخلية، والثانية الجروح والأمراض الخارجية التي تُصيب الجسد.
رسالة طوني اليوم #رسالة أمل إلى كلّ من يمرّ في مرحلة عصيبة وصعبة أنّ الحياة لا تخلو من “مطبّات” و “طلعات ونزلات”، وتبقى القوة في الوقوف مجدّداً؛ والأهمّ عدم الخجل عند طلب المساعدة، فأحياناً نحتاج إلى يد تُمسك بنا قبل المضي قدماً في مسار الحياة.

قرّر طوني أن يكسر حاجز “الممنوع” في مجتمع ما زال يخجل من الحديث عن مشكلاته النفسية والاعتراف بها، ويُشاركنا اليوم بعض تفاصيله في هذه المرحلة المفصلية التي كادت تودي بحياته لولا “خط الحياة”.

يتحدّث بحريّة، وكأنه لم يعد هناك ما يُعيقه عن إخفاء مشاعره وأفكاره، ويسترجع مع “النهار” تلك المرحلة من حياته قائلاً: “كنت أعيش نزعة منذ صغري كيف يمكن الشعور بعدم الفرح، وأنا لم أتجاوز الثالثة عشرة من عمري. لم يكن سهلاً الحديث في الموضوع؛ لم يكن يفهمني أحد خصوصاً أن الناس تردّد دائماً أن مشكلات الصغار ليس كمشكلات الكبار. تعرّضتُ للتنمر في المدرسة، فآلمني كثيراً، ولم يعد لديّ أصدقاء، بل كنت وحيداً في وجه التهكّم والتنمّر.

كبرتُ، وكبرت معي هواجسي وأفكاري السلبيّة، التي بدأت تأخذ أبعاداً أخرى وهموماً أكبر. لم أكن أتصوّر أن أكتب رسالة وداعية. كانت الأفكار الانتحاريّة تدور في رأسي. كنت متعباً جداً، وأحتاج إلى المساعدة؛ ونتيجة الضغوط والمشكلات الماديّة والتنمّر لم يعد أمامي سوى زيارة معالج نفسي لأضع حداً لكلّ هذه المشاعر التي كنتُ أتخبّط بها.”

بعد زيارة إلى الطبيب النفسي تبيّن أن طوني يعاني اكتئاباً مزمناً، ومرض ثنائيّ القطب (bipolaire) . بدأت رحلة علاجه، وكان يتأرجح بين حالة جيّدة تجعله يستغني عن الدواء ليعود إليه بعد انتكاسة نفسيّة. لا يُخفي طوني ما مرّ به من “طلوع ونزول؛ هكذا يمكن وصف حالتي في تلك المرحلة. كنتُ أشعر بتحسّن فأتوقّف عن أخذ الأدوية، ولكن ينتهي بي الأمر إلى انتكاسة”.

انتقل طوني من مرحلة علاجيّة متقلّبة إلى مرحلة البحث عن هذه الأدوية التي أصبحت مفقودة أو يصعب إيجادها بسهولة. أصبحت معركته في مكان آخر. هذا البلد الذي كان يُؤمن به انهارَ أمامَه، وتحطّمت أحلامه التي كان يرسمها ويأمل في تحقيقها هنا.

برأيه، “كنت مؤمناً بالتغيير والثورة، وبحلم بناء وطن يُشبهنا كشباب، لكنّني وجدتُ سلطة تقتل شعبها، ولم أكن لأقبل بأن يقتلونا بهذه الطريقة. أصبح العيش في لبنان صعباً وموجعاً، أزمة اقتصادية خانقة، أدوية مفقودة، ثمّ جاءت الضربة الأقوى: انفجار مرفأ بيروت”.

و”لكن ما جرى في تلك الليلة غيّر كل شيء، صراع الموت والحياة في غرفة صغيرة لا يكسر جمودها سوى أفكاري التي تتوق إلى الموت لترتاح. عانيتُ #نوبة قلق شديدة، وقرّرت: “إنّها حياتي”، كنت كمن يفقد الحياة ببطء شديد. وفي خضم صراعي مع كلّ ما أشعر به في تلك اللحظة، ولكن لسبب ما وجدت نفسي أمام خيارين: إما الاتصال برقم embrace أو الموت. لا أعرف لماذا اخترت الأول! شيء في داخلي جعلني أحاول للمرّة الأخيرة، واتّصلت!

أذكر جيّداً أن الفتاة التي ردّت على مكالمتي كان اسمها لونا. لقد كان صوتها هادئاً وكانت مستمعة جيّدة. لم تحكم عليّ ، لم تنهَل بالأجوبة التي تزيد من وجع شخص متعب من هذه الحياة مثل “في عالم أضرب منك”، “شوف غيرك شو عايش”، بل على العكس كانت كلماتها تخفّف عنّي وطأة هذا الحمل. 10 دقائق كانت كفيلة بأن أقفل الخطّ وأسترجع الحياة!”.

نام طوني بعد تلك الليلة بسلام. لأوّل مرّة يجد شخصاً مستمعاً لا يحكم عليه. كان مرتاحاً لأنه يُمكن أن يتحدّث بكلّ ما يُفكّر فيه من دون خوف أو قلق أو أحكام مسبقة. رسالته اليوم لكلّ شخص متعب، أو يمرّ بظروف عصيبة أو ضاغطة: “لا تفكّر في مشكلات غيرك بل فكّر في نفسك، واطلب المساعدة من دون خجل. علينا الإيمان بالعلاج النفسي كما نؤمن بأهميّة العلاج الطبي. نحتاج فعلاً إلى الإفصاح عمّا نشعر به والتحرّر من كلّ ما يُثقل روحنا”.

خط الحياة ١٥٦٤ – هو الخطّ الوطنيّ السّاخن للدّعم النفسيّ والوقاية من الانتحار، وهو ثمرة تعاون مع البرنامج الوطنيّ للصحّة النفسيّة، لتقديم الدعم النفسيّ

المصدر: النهار

زر الذهاب إلى الأعلى