بأقلامكم

قصة النفايات في لبنان من ألفها الى يائها بقلم الإعلامية فاطمة سلامة

ثمّة من يُمارس في هذا البلد لعبة “الغباء” السياسي في وجه اللبنانيين. على الدوام، يتنصّل السياسيون من مسؤولياتهم. يصار الى إفهام المواطنين بأنّ كل أزمة تواجههم محض صُدفة. تماماً كما يحصل اليوم. النفايات تملأ الشوارع وتقطع أنفاس المارة، والمعنيون مشغولون بعقد مؤتمر صحفي هنا، والإدلاء بتصريح هناك. هم وجدوا في هذه الأزمة فُرصة للإستعراض الإعلامي. بات جل همهم التنقل أمام الكاميرات، وإفهام المواطنين أنّ لب المشكلة يكمن في عجزهم عن إيجاد مطمر. صحيح، إقفال مطمر الناعمة فاقم المأساة، وسرّع في نضوج “الكارثة”. لكنّ هذه الأزمة ليست وليدة اليوم والأمس، إنها تظهير لحلقات متواصلة من الصفقات والمحاصصات، شاركت فيها أياد سياسية منذ منتصف التسعينات حتى يومنا الحالي طمعاً بتعبئة الجيوب. الوزير السابق شربل نحاس يضع النقاط على الحروف في هذا الملف، فيروي قصّة النفايات في لبنان من ألفها الى يائها.

في منتصف التسعينات، أي في عهد الرئيس رفيق الحريري بدأ ملف النفايات يرزح تحت وطأة المحاصصات السياسية. يُفنّد نحاس كيف انتقلت دفة “النظافة” من يد البلديات التي كانت المسؤولة الأولى عن هذا الملف الى يد الحكومة التي قرّرت تعطيل مهام البلديات وإسنادها الى مجلس “الإنماء والإعمار” الذي كلّفته بالتعامل مع “سوكلين” ودفع الأموال لها من الصندوق البلدي التابع لوزارة الداخلية والبلديات. وضعت الدولة يدها على هذا الصندوق. زودت شركة “سوكلين” بالأموال، وذلك بطريقة لا شرعية حتى عام 2001، بعدما أوجدت مسوغاً قانونياً للعملية”.

garbeg

القصة لم تنته هنا. الصندوق البلدي المستقل الذي لم يعُد له أصحاب، فتح شهيّة الكثيرين لتقاسم الحصص وكسب الأموال. عمدت حكومة رفيق الأب بالتعاون مع أطراف سياسية الى تضخيم فاتورة “سوكلين” بعدما وجدت في هذا الملف “كنزاً” من المال. وسّعت نطاق عمل تلك الشركة الخاصة لزيادة أرباحها. وفي ظل هذا الوضع تم تقاسم الارباح بطرق غير قانونية او شرعية ومن خلال صفقات فساد تفوق رائحتها ما يتنشقه الناس هذه الايام من سموم . تفاصيل ما جرى في تلك المرحلة يحتاج الى كلام كثير واذا ما كشف في يوم من الايام سيشكل فضيحة للطبقة السياسية بأكملها  . التوافق حول الفساد  لم يدم طويلا . فبعد تقسيم البلد بين 8 و14 آذار لم تعُد طريقة التعاونية مجدية. وفق نحاس، بات توزيع الحصص بالتساوي أمراً صعباً. فتّشت الحكومة عن آلية جديدة لتقاسم المغانم، فانتقلت من مبدأ التعاونية المشتركة الى مبدأ المناطقية. كل زعيم يجني حصة منطقته من النفايات. انقسم البلد الى ستة “سوكلينات”، واستمرّت عملية النهب والكسب من هذا الملف قائمة بلا رادع، على قاعدة “استر عليي بستر عليك”.

في عهد حكومة الرئيس تمام سلام وفي مطلع العام الحالي تحديداً، عمد مجلس الوزراء مجتمعاً الى ابتكار نظام جديد لإدارة هذا الملف. زجّت الحكومة في دفتر الشروط “لغماً” ساهم في إبقاء ملف النفايات رهينة بيد الزعماء السياسيين الذين باتوا يطمحون أكثر مما يجنون. اللغم تمثّل في أنّ إيجاد المطمر من مسؤولية المتعهد، وهو مطلب أقرب الى الخيال، حسب ما يؤكّد نحاس. الهدف الأساسي من هذا “الشرط” -بنظره- هو العودة القسرية الى زعماء المناطق لإبقاء سيطرتهم على هذا الملف، رغم أنّ حصتهم لم تعد تحلو لهم في الآونة الأخيرة، فعمدوا الى تفجير الأزمة بوجه المواطنين، حتى وصلنا الى ما وصلنا اليه اليوم. وفق الوزير السابق، يتسابق كل من جنبلاط، النائب فؤاد السنيورة، ميسرة سكر، والمقاول جهاد العرب وغيرهم لجني المزيد من الأموال، وهم وجدوا في بيروت وضاحيتيها “ثروة” كبيرة. فمارس جنبلاط الإبتزاز وسيلة للفوز بجرة الذهب عبر إقفال مطمر الناعمة. لذلك، فإن مشاهد القمامة التي تملأ الشوارع اليوم، ليست إلا جريمة شاركت في صنعها أيادي الزعماء الذين عمدوا على ملء جيوبهم على حساب شعبهم” يختم نحاس.