أخبار لبنان و العالم

قصص تروي فصولاً من حياة ذوي الإحتياجات الخاصة

أحيا العالم أمس، في الثالث من كانون الأول، اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة، تحت شعار الدمج على مختلف الصعد، التربوية والتعليمية والمهنية والاجتماعية والرعائية والحياتية.

وتقول المعلومات بوجود نحو 15 في المئة من الشعب اللبناني يعانون من نوع واحد على الأقل من الإعاقات، ولكن الدولة، بالرغم من مرور 15 عاماً على إقرا ر القانون 220/2000، لم تكلف نفسها تنفيذ سوى جزء يسير من القانون، ولم تضع المراسيم التطبيقية اللازمة له.

ويعاني أكثر من تسعين في المئة من الأشخاص المعوقين من البطالة، في ظل عدم التزام الوزارات والمؤسسات العامة، قبل القطاع الخاص، بـ «كوتا» الثلاثة في المئة لتوظيف المعوقين، وعدم تجهيز أكثر من 0.04 في المئة من المدارس للدمج التعليمي، ولم تفعّل بطاقة الإعاقة بما يؤمن حقوقهم بطريقة لائقة، وغيرها من الأمور.

هنا ثلاث قصص لثلاثة أشخاص من ذوي الإعاقة، تضيء بشكل أو بآخر على حياة المعوق، في بلاد لا تحترم حقوقه البديهية للعيش بكرامة، بل تميز ضده على الصعد كافة.

مازن والحق بالرعاية

لا ينسى مازن ذلك اليوم. يومها قرر تحدي صديقه والتسابق معه في الوصول إلى بيروت، وكيف انزلقت سيارته إلى الجانب الآخر من الطريق السريعة، ليصطدم رأسه بعمود الكهرباء. بالنسبة إليه توقف الزمن عند تلك اللحظة، تبدلت حياته حتى باتت أقرب إلى سجن تعذيب. وبعد انقضاء مدة العلاج تبين أن مازن فقد قدرته على الحركة تماماً، وبات عليه التأقلم مع حياة جديدة تقتصر على غرفة نومه وغرفة الجلوس. بات احتمال خروجه من المنزل نادر الحصول.

لم يعد بإمكان مازن الخروج صباحاً كعهده للذهاب إلى عمله. باع أهله دكانه لدفع تكاليف علاجه. ولم يعد بإمكانه ممارسة أي نشاط يحبه لأنه لا يملك التجهيزات التي تتيح له التنقل، ولان الدولة لم تؤمن له أي مساعدة… مازن عاجز اليوم عن فعل أي شَيْء، كل ما يقوم به هو نصح الآخرين بعدم التهور خلال القيادة.

ينص القانون 220/2000 الخاص بالأشخاص ذوي الإعاقة على حق هؤلاء، ومن بينهم مازن، في الحصول على المعونات والتجهيزات اللازمة، من كرسي متحرك إلى عكازات. وتم تكليف وزارة الشؤون الاجتماعية بهذه المهمة. ويحق للشخص المعوق تجديد التجهيزات كل خمس سنوات. ولكن الوزارة لا تتعاون دائما، وفق ما يؤكد بعض الأشخاص من ذوي الإعاقة، مبدين تحفظهم وتذمرهم من نوعيتها أيضاً.

روى والعمل

«كنت أحمل حاسوبي معي يومياً إلى عملي، فالمكتب الذي كنت أعمل معه لم يؤمن لي واحداً»، تقول روى التي تعاني من إعاقة حركية. كانت روى تعمل بدوام كامل لاكتساب الخبرة وتعزيز مؤهلاتها لتؤمن عملاً محترماً براتب يكفيها للعيش باستقلالية. وبالرغم من أن الاتفاق مع أصحاب العمل كان يقضي بدوام جزئي «لكنني لم أتردد يوما في التطوع لأي مهمة، ومع ذلك لم يدفعوا لي سـوى ثلاثمئة الف ليرة لبنانية شهرياً»، وفق ما تقول. كانت روى تستنفد راتبها على كلفة المواصلات، ومع ذلك بدأ أصحاب العمل بتجاهل دفع مستحقاتها المالية حتى اضطرت إلى ترك وظيفتها.

تخرجت روى بشهادة جامعية في الترجمة. بحثت كثيراً عن وظيفة، أي عمل وإن كان لا يمت بصلة إلى اختصاصها. لم تتأفف حتى من قبول وظيفة عاملة هاتف، تلك المهنة التي يظنها أصحاب عمل كثر المهمة الوحيدة التي بإمكان الأشخاص المعوقين القيام بها، ومع ذلك لم تحصل على وظيفة. ما زالت تبحث عن فرصة عمل لائقة تكفيها للعيش بكرامة من دون أن تحتاج أحدا.

«أنا اليوم لدي الخبرة الكافية التي تمكنني من العمل في مجال الترجمة ومع ذلك رفض المسؤولون عن الكثير من مكاتب الترجمة حتى منحي فرصة الخضوع لاختبار» تقول بحسرة، وهي التي قضت عمرها في التعلم من دون ان يسهّل نجاحها حياتها، ويؤمن استقلاليتها.

روى التي لم تستسلم حتى اليوم، حصلت على بعض التجارب المنتجة هنا، أو تمنحها خبرة إضافية هناك، لتعتبر نفسها أفضل من غيرها «هناك أشخاص اضطرتهم الحياة إلى التسول بحثاً عمّن يرأف بهم ويعطيهم خبز يومهم».

سناء والحق بالتعلم

تعاني سناء من إعاقة بصرية. لم تتح لها فرصة التعلم في مدرسة دامجة. وجدت نفسها مع مرور الوقت تعيش بعيدة عن حضن والديها وعن أخواتها وأقاربها. عاشت هناك في مدرسة داخلية «لا ترحم»، كما وصفتها. فالحياة في الداخل صعبة، «اعتماد كبير على النفس وقساوة من جميع المسؤولين، افتقدت عائلتي كثيراً». والأسوأ أنها بالرغم من السنوات الطويلة في المدرسة الداخلية ومعها معاناتها، إلا أنها لم تحصل على فرصة تعلم حقيقية، «كانوا يركزون في المدرسة على تعليمنا الحرف والعزف والغناء بذريعة أن هذه الامور هي التي ستساعدنا في حياتنا العملية». وتسبب تركيز المدرسة على هذه النواحي من دون التعليم الأكاديمي في ترك كثيرين التعلم لأجل احتراف الحرف أو الغناء أو العزف، ليجد الواحد منهم نفسه في نهاية الأمر مقيداً، لا يمكنه الخروج من المؤسسة لأنه لن يستطيع فتح عمل، أو مصلحة يعتاش منها. وهنا يختار الأشخاص من ذوي الإعاقة البقاء في المؤسسات الرعائية كونهم عاجزين عن الاستقلال مادياً لإعالة أنفسهم أو العودة ليكونوا عبئاً على عائلاتهم. وعليه تستمر المؤسسة بقبض الاموال على اسمه ولا يحظى هو بالرعاية التي يستحق.