محليات

ميقاتي إلى الإعتكاف؟

لغاية هذه اللحظة، لم يُدوّن في سجلات القصر الجمهوري أي موعد جديد لرئيس الحكومة المكلّف نجيب ميقاتي. الأخير باتت تضعه أوساط سياسية في خانة الأقرب إلى “اعتكاف” غير مُعلن من قبله، وأقرب من حيث الشبهة إلى الوضعيات التي كان فيها رئيس الحكومة السابق سعد الحريري.

ما ينطبق على سعد الحريري، بات ينطبق على نجيب ميقاتي، على نحو ما يظهر. صحيح أن الرئيس المكلّف خاض ثلاث عشرة جولة تباحث مع شريكه الدستوري في أمر التأليف رئيس الجمهورية ميشال عون طيلة شهر كامل من عمر التسمية، لكنه، وفي آخر لقاء جمعهما، وضع ما توصل إليه من تشكيلة “تصوّر كامل” بين يدي الرئيس، وخرج من القصر من دون أن يعود إليه أو يُبادر إلى طلب موعد جديد. بل إن ما حصل ارتسمت فيه مشاهد قاتمة السواد، سيما بعدما فُهم في القصر، أن ميقاتي أعلن تموضعه بشكل كامل لا لبس فيه ضمن “مكوك” نادي رؤساء الحكومات السابقين، متّخذاً من البيان المعقود أخيراً، وما تلاه من مواقف أذيعت عبر قناة “الحدث” وضعية أخرى، بدت أقرب إلى إتمام إنجاز “استدارة” كاملة عن قصر بعبدا، ومغادرة الوسطية مقابل “وضوح صورة” الموقف الأشبه إلى صورة الوضعية “الميقاتية” السابقة ما قبل التكليف.

عملياً، دخل ميقاتي إلى اللقاء الثالث عشر مع الرئيس في بعبدا على صورة ما، وخرجَ بصورة أخرى مختلفة كلياً. الصورة الحديثة تظهر نجيب ميقاتي بـ”نيو لوك” سياسي، وتشي المشاهد الحالية بأنه في صدد اعتماد مقاربة مختلفة وإسقاطها على مسار التأليف، وإن الشهر الذي انقضى من عمر التكليف والتأليف شيء، وما سيأتي بعده ـ ويفترض أنه قصير نسبياً – شيء آخر.

على هذه الحال، تبدو صورة الأيام المقبلة: يعتبر رئيس الحكومة المكلّف أنه أنجزَ ما عليه وطبّقه في التصوّر الكامل المنجز والمقدّم إلى الرئيس، وما على الأخير سوى حسم أمره. وانطلاقاً من حديث ميقاتي الأخير إلى قناة “الحدث” السعودية، لا يبدو أنه في وارد الصعود إلى قصر بعبدا قبل أن تنجلي بعض الأمور والملاحظات، أو أن يجري التفاهم على نقاط محدّدة وهو ما يعمل عليه “وسطاء” حالياً “حتى لا يعود البحث إلى المربع الأول”. ما يعنيه ذلك، أن رئيس الحكومة المكلّف، بات يلتزم الورقة التي تقدّمَ بها إلى عون، وإذا كان ولا بدّ، فلا مانع من إدخال بعض التعديلات من دون “المسّ” بالجوهر، وعلى نية هذه القضية فعّل اللواء عباس إبراهيم حركته.

في المبدأ، نُحّيت مسألة الإعتذار جانباً في الوقت الراهن، ولو أن أكثر من “صالون” سياسي تبلّغ خلال الأيام الماضية “تصوّراً أولياً” حول جهوزية ميقاتي لإعلان الإعتذار. ويتردّد في هذا السياق، أن الجانب الفرنسي، وحين لمس ميولاً “إعتذارية” لدى رئيس الحكومة المكلّف، تدخّل وكبحه ونصحه مرة جديدة بالتريّث، كذلك فعلت عناصر سياسة أساسية في الداخل، وعلى نيّة تجنيب البلاد قطوعاً حاداً. وقد نما اعتقاد أن تدخّل اللواء إبراهيم في شكله الحالي، قد يكون في جزء منه تفسيراً لمقتضى فرنسي طارئ، بدليل أن المدير العام للأمن العام، قد تنحّى منذ فترة عن الخوض في هذا التفصيل ثم عاد الآن.

والجميع يُدرك، بمن فيهم ميقاتي، أن الإعتذار الحالي “تكلفته” السياسية والأمنية باهظة، وهذا أحد الأسباب التي تدفعه للهدوء والتريث، والجنوح نحو تفعيل وضعية “الإعتكاف” كحل وسط يتموضع بين التكليف والإعتذار، وكوضعية قد تُسفر عن إخراج حلول ما، بدافع الحرص الذي تبديه جهات عدة في الداخل والخارج، تخشى من تبعات الإعتذار، عن تكليف ثالث تراه الأخير في المسار السياسي الراهن، وقد يفضي إلى نتائج عكسية سلبية جداً.

من بين هؤلاء “حزب الله”، الذي سبق وأعلن أمينه العام السيد حسن نصرالله عبارات تضمّنت انتقادات وُزّعت بالتساوي على كل الشركاء في التأليف، عقب طرحه لسؤال: “أما آن للنقاش في الحقائب الوزارية أن ينتهي؟” وهو سؤال استبطن الكثير من الإستياء من طبيعة ما يُقدم ويُطرح، وإحدى “أنماط” الإستياء تطال الشريك المسيحي بالدرجة الأولى، “التيار الوطني الحر” + العهد الباحث عن ترسيخ “صموده” في ثلث معطل مصطنع صافٍ له وكإعلان عن رغبة منه في عدم “التسليم” أو “الإستسلام”، رغم أن “الحزب” قد جدّد إبلاغ “الحليف المسيحي” أن وزيريه هم بمثابة “ثلث ضامن” موضوع في عهدة رئيس الجمهورية دون سواه، أي العبارة “الطرح” التي سبق وردّدها أكثر من مرة، دون أن يلقَى إجابة واضحة.

وسعد الحريري بدوره، لم يعد مُمكناً إبعاد تأثيراته السلبية عن رقعة التأليف. صحيح أن رئيس تيار “المستقبل” خرج من المضمار، لكن تأثيراته لا زالت باقية بدليل “التقلّبات” التي يناطحها الرئيس المكلّف، وميل الحريري بدافع الرغبة نحو الإستمرار في مواجهته لعهد ميشال عون، عملاً بقاعدة: “ما تركوني كمّل ما رحّ إتركهم يكملوا” والإشارة إلى تأليف الحكومة. والحريري الذي يعتبر نفسه شريكاً في وصول عون إلى بعبدا، يعتبر نفسه شريكاً أيضاً في إخراجه منه على صورة سلبية على عكس ما دخله، في أمر يبدو إنه قد وطّن نفسه لأجل تحقيقه، وهو سبب يجده القصر دافعاً نحو التشدّد في طلب تأمين “الضمانات الوزارية” في الحكومة العتيدة، إنصياعاً لمقولة “حفظ التوازن”، حيث يعتقد القصر أن الحصة المسيحية، في ضوء انكفاء “القوات اللبنانية” واستقالة الكتائب، آلت إليه بشخص الرئيس، بصفته حافظاً للمناصفة دون حصة “التيار” المطوّبة بإسمه عملاً بـ”البوانتاج” النيابي.

من هنا، لا يبدو أن العهد سيتزحزح عن معادلة “حفظ التوازن” التي ينعتها البعض بـ”طلب الثلث المعطل” كائناً من كان المتدخّل، لا حليف ولا شريك ولا جهة دولية ولا شارع، لأن الأمر بالنسبة إليه بات مسألة حياة أو موت سياسي. فما لم يقبل العهد تسليمه في “حصار” دام عليه منذ 5 سنوات (من وجهة نظره)، لن يقبل تسليمه على مشارف العام السادس والأخير.

في الخلاصة: المواجهة مستمرة وإن تبدّل الأشخاص.

المصدر : عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

زر الذهاب إلى الأعلى