أخبار لبنان و العالم

هل تدّعي الوزارة على عشرات آلاف اللبنانيّين؟

ليس الفنّان أمير يزبك الوحيد الذي نشر صورةً لطرائده من الطّيور على صندوق إحدى السيّارات. لكنّه يبدو أّنه الوحيد الذي ادّعت عليه وزارة البيئة. فقد باتت هذه الصّورة عادة كلّ صيّادٍ في لبنان أراد التّباهي بحصاده البيئيّ على حساباته على مواقع التّواصل الاجتماعيّ، حيث باتت صور العصافير أكثر من صور الناس أخيراً.

الصّيدُ ممنوعٌ في لبنان حتى يومنا هذا. فوزير البيئة محمّد المشنوق لم يعلن بدء الموسم لاسبابٍ عدّة. إلاّ أنّ ما يحدث على الارض معاكسٌ تماماً لتوجّهات المشنوق الذي أمر بالتشدّد في ضبط المخالفات. فهل تدعي وزارة البيئة على عشرات آلاف اللّبنانيّين المخالفين؟ هذا القرار غير الحازم كما يظهر، لم يؤثّر على اندفاع المواطنين لممارسة واحدة من هواياتهم المفضّلة.

“مطوق”، “سلونج”، “سمّن”، “كيخن”، “فرّي”، “ورور” “سنونو” وغيرها من الطيّور باتت أكثر الكلمات المتداولة على ألسنة الصيّادين في خلال هذه الفترة من السّنة، إلاّ أنّ الموسم حتّى الان كان مخيّباً بحسب ما يجزم عددٌ كبيرٌ منهم. فطبيعةُ لبنان تتغّير من سنةٍ الى سنةٍ، والمساحات الخضراء باتت نادرة بسبب طفرة العمران، والصّيد العشوائي الى ازديادٍ والمتطفّلون على هذه الهواية كثرٌ.

لكنّ هذا الواقع لا يُحبطهم. هناك شيئٌ ما يوقظهم عند كلّ فجرٍ، فيهبّون الى ارتداء ألبستهم المفضّلة والمرقّطة بألوان الطّبيعة، يحملون أسلحتهم، وينطلقون بسيّاراتهم المجهّزة في رحلةٍ تنسيهم هموم أشغالهم وأعمالهم.

“المقوص” هو مكانهم السرّي، ووجهتهم المنشودة. بعد احتساء “أطيب قهوة” صباحيّة كما يؤكّدون، يشغّلون آلات تبثّ زقزقات لانواعٍ معيّنة من العصافير بهدف جذبها، يتمركزون في أماكنهم، وينتظرون مرور الاسراب بصمتٍ وفي جوٍّ من الهدوء التّام.

“الصّيد يعلّمك على التّركيز وعلى تشغيل كلّ حواسّك” يؤكّد صّيادٌ محترفٌ لموقع الـmtv الالكتروني، ويضيف “هناك سلامٌ ما في الطّبيعة لا تجده في أيّ مكان آخر، كما أنّ الصّيد رياضة تهذّب النفس وتدرّب الشّخص على الصّبر حتى ينال مراده”.

نهارُهم لا يكتمل من دون “الترويقة” اللّبنانيّة الاصيلة، لبنة وزيتون وزعتر وجبنة وبيض مقليّ وخضراوات وشاي يجعلون منها قوتاً يعطيهم طاقةً ونشاطاً، فيعودون كلٌّ الى دياره أو عمله مع اكتمال ساعات الصّباح وقد جمعوا غلّة من الطّيور والسّعادة والحيويّة على حدٍّ سواء.

ولكن للاسف لا ينتهي نهار كلّ “صيّادٍ” في لبنان على هذا النّحو. فقد سُجّلت في الاونة الاخيرة حالات وفاةٍ لعددٍ كبيرٍ من المواطنين بأسلحة صيدٍ عن طريق الخطأ. ربما هؤلاء هم الضّحايا المتطفّلون على هذه الهواية، والتي تصبح خطيرة كأي هواية أخرى عندما لا تُمارس وفق الاصول والقوانين.

دولة النفايات والقمامة لن تكترث لصيّادٍ مرَّ من هنا، ولعددٍ زائد من العصافير إصتيد هناك. ووزارة البيئة التي تبدو حريصة مرّة في السّنة على النّظام الايكولوجي في لبنان، الاجدى بها أن تسمح بالصّيد وتتشدّد في المقابل بالحفاظ على قوانين هذه الهواية، حتى لا يبقى صيدُ العصافير عشوائياً كصيد المواطنين في الشوارع أيضاً.