محليات

هل سيتمّ فعلاً رفع الرواتب والأجور… ومتى سيَحصل ذلك؟

في ختام جلسة ​مجلس الوزراء​ الأخيرة، كشف ​وزير الصناعة​ ​عماد حب الله​، أنّه تمّ خلال الجلسة طرح مسألة إعادة النظر بالرواتب و​الأجور​، وقال: “ستتمّ دراسة الموضوع والعودة إلى مجلس الوزراء لمُناقشته”. ويأتي هذا الحديث غداة مُطالبة “رابطة مُوظّفي الإدارة العامة” في رسالة مُوجّهة إلى الحُكومة، بضرورة “إعطاء سلفة غلاء معيشة للعاملين في الإدارة العامة ومُتقاعديها”(1). كما طالبت جهّات عدّة برفع الرواتب، ومنها “الإتحاد الوطني لنقابات العُمّال والمُستخدمين في ​لبنان​”، وكذلك برفع الحدّ الأدنى للأجور إلى حدود مليون ومئتي ألف ليرة لبنانيّة(2). فهل سيتمّ فعلاً رفع الرواتب والأجور، ومتى سيحصل ذلك؟.

بداية، لا بُدّ من التذكير أنّ لبنان سبق أن عانى في تاريخه الحديث، من إنهيار قيمة عملته الوطنيّة، ومن تضخّم كبير في أسعار السلع، ومن تآكل سريع للقُدرة الشرائية للعُمّال والمُوظّفين. وفي كل مرّة كان الحلّ بإقرار زيادات على الرواتب والأجور، ولوّ بعد حين. وبالتالي، المسألة حتميّة، لأنّه حتّى لو تحسّنت قيمة ​الليرة​ اللبنانيّة في المُستقبل-لسبب أو لآخر، فإنّه من المُستحيل أن تستعيد قُدرتها الشرائيّة السابقة، ما يُحتّم حُصول الزيادة، خاصة وأنّ قيمة الحدّ الأدنى الرسمي للأجور في لبنان، تدنّت إلى ما دُون مئة دولار أميركي، وباتت الرواتب الشهريّة لشرائح واسعة من المُوظّفين والعُمّال اللبنانيّين في القطاعين الخاص والعام، لا تزيد عن مئتين أو ثلاثمئة دولار أميركي في أفضل الأحوال. وهذا الواقع يُحتّم مسألة تصحيح الدخل، للحفاظ على ​الأمن​ الغذائي للمُواطنين، وعلى الحدّ الأدنى من الإستقرار الإجتماعي، لأنّ الفئة التي تتقاضى رواتبها بالعملات الصعبة في لبنان مَحدودة، وتُقدّر نسبتها بنحو 5 إلى 6% من إجمالي العاملين فقط، ولأنّ الفئة التي تتقاضى رواتب مُرتفعة بالليرة اللبنانيّة قليلة بدورها، وهي لم تعد راضية إطلاقًا عن قيمة رواتبها نسبة إلى مُؤهلاتها، وإلى طبيعة العمل الذي تُزاوله، أو طبيعة المسؤولية المُلقاة على عاتقها.

لكن وبحسب آراء أغلبيّة من الخُبراء الإقتصاديّين، إنّ أي حديث عن زيادة للرواتب والأجور في هذه المرحلة، لن يُسفر سوى عن نتائج عكسيّة تزيد الأمور سوءًا. وعدّد هؤلاء سلسلة من المُلاحظات:

أوّلاً: صحيح أنّ تصحيح الرواتب والأجور صار حتميًا، لكنّه لا يُمكن أن يتمّ قبل أن تتضح صُورة إنهيار قيمة العُملة، وقبل ثبات غلاء الأسعار، وذلك لتحديد قيمة الزيادات المَطلوبة بشكل يُساهم في تهدئة الأسواق، بدلاً من زيادة البلبلة فيها في ظلّ عدم إستقرار الأوضاع.

ثانيًا: إنّ إقدام الحُكومة و​مجلس النواب​ في لبنان على إقرار أيّ زيادة لرواتب ​القطاع العام​ في هذا الظرف، أي قبل الحُصول على دعم مالي خارجي، وقبل إستعادة الثقة بالنظام المصرفي والمالي، وقبل عودة ​الدورة​ الإقتصاديّة إلى الدوران بشكل طبيعي، يعني أنّ أيّ زيادة ستتآكل بسرعة هائلة. فبكلّ بساطة، إنّ طباعة المزيد من الأموال ورميها في السوق، سيُؤدّي إلى مزيد من ​التضخّم​ على مستوى الكتلة النقديّة بالعملة الوطنيّة، وسيُسفر عن مزيد من الإرتفاع في الأسعار.

ثالثًا: بعد إقرار ​سلسلة الرتب والرواتب​ في العام 2017، صارت الفوارق شاسعة بين رواتب مُوظّفي ​القطاع الخاص​ والقطاع العام، لصالح هذا الأخير، وبالتالي لا يُمكن على الإطلاق، رفع رواتب وأجور القطاع العام مُجدّدًا، وتجاهل حُقوق القطاع الخاص، بعد أن سبّبت هذه الخُطوة في السابق، سلسلة من المشاكل الخطيرة، لم تنتهِ فُصولاً بعد، منها مثلاً على مُستوى رواتب القطاع التربوي الخاص.

رابعًا: إنّ القطاع الخاص الذي يتصرّف وفق حسابات الربح والخسارة الدقيقة، وليس كالمسؤولين الرسميّين الذين يُدخلون الحسابات الإنتخابيّة والمكاسب السياسيّة والشعبويّة في عملهم، عاجز كليًا عن زيادة رواتب الموظّفين والعاملين لديه، في ظلّ الظروف الراهنة. وجزء من القطاع الخاص يتصرّف عكسيًا، لجهة صرف بعض المُوظّفين وتخفيض رواتب البعض الآخر، بحجّة الإستمرار.

في الخُلاصة، إنّ زيادة الرواتب والأجور صارت واجبًا على ​الدولة​ وعلى أصحاب العمل، وحقًّا للعاملين والمُوظّفين بمُختلف فئاتهم. لكن أيّ إقرار لهكذا خُطوة مُهمّة، من دون تحضير الأجواء المناسبة لها، يعني التسبّب تلقائيًا بإنهيار جديد لقيمة العملة الوطنيّة وبارتفاع جديد للأسعار. وبالتالي، يجب في المرحلة الراهنة وقف النزف الحاصل، ومنع إزدياد وتيرة التضخّم، على أن تتمّ زيادة الرواتب والأجور للقطاعين العام والخاص في مرحلة لاحقة، وتحديدًا بعد الوُصول إلى إستقرار داخلي على مُختلف المُستويات السياسيّة والإقتصاديّة والمالية، وخُصوصًا بعد إستعادة الثقة. وكلّ ما عدا ذلك، عبارة عن شعبوية فارغة، أسفرت عن نتائج مُدمّرة في السابق، وتكرارها اليوم–تحت أيّ ذريعة أو حجّة، هو بمثابة جريمة إضافية بحقّ الوطن والمُواطنين!.

المصدر : ناجي س. البستاني – النشرة

الوسوم