“عم ندوق الموت”… عائلات لبنانية تعيش بـ20 دولاراً شهرياً!

على وقع غليان الشارع اللبناني مع ارتفاع سعر صرف الدولار إلى ما يفوق 33000 ليرة لبنانية، وهو رقم قياسي في تاريخ لبنان، تئنّ عائلات كثيرة تحت خط الفقر، ولا تستطيع تأمين أبسط حاجاتها، بعدما كان وضعها مقبولاً أو جيداً قبل انهيار العملة، وكانت رواتب معيليها تؤمن الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي والغذائي والصحي والتربوي. الحد الأدنى للأجور الذي يبلغ 675000 ليرة لبنانية، كان يساوي نحو 450 دولاراً أميركياً، وبات الآن لا يتجاوز الـ20 دولاراً أميركياً.

تتنّهد زينة (35 سنة) طويلاً وتحاول حبس دموعها لدى سؤالها عن وضع أسرتها المعيشي في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة. ربّة المنزل والأم لولدين تجد نفسها يومياً أمام امتحان صعب لتدبير شؤون منزلها بالاعتماد على راتب زوجها العامل في إحدى شركات الإسمنت، والذي لا يتجاوز المليون و100 ألف ليرة لبنانية (نحو 33 دولاراً بحسب سعر صرف الدولار في السوق السوداء). تقول زينة: “منذ بداية الأزمة عام 2019 حاولنا الاستغناء عن بعض الكماليات شيئاً فشيئاً، إلّا أننا لم نتخيّل أن يصير الطعام من الكماليات!”. فمع استمرار انهيار الليرة أمام الدولار ترتفع أسعار الأطعمة والمحروقات والأدوية بشكل خيالي ومبالغ فيه بسبب جشع التجار وغياب رقابة الدولة.

تكاد أسرة زينة تنسى طعم الدجاج واللحوم. “يبلغ سعر كيلو اللحم نحو 250 ألف ليرة بينما يصل سعر كيلو الدجاج إلى 100 ألف ليرة، لذلك من الطبيعي نظراً لوضعنا أن نلجأ إلى طبخات أساسها الحبوب والخضار فقط”. تحرص زينة على أن تكفي الطبخة التي تعدّها لما يقارب الأسبوع، “فأسعار الحبوب والخضار تشهد أيضاً ارتفاعاً جنونياً، سعر علب الحمص والفول يصل إلى حدود 30 ألف ليرة، ويبلغ سعر كيلو اللوبياء مثلاً 40 ألف ليرة وكيلو البندورة 15 ألف ليرة. كلها أطعمة كنا نعتبرها قوتاً للفقراء، أصبح أكلها اليوم رفاهية، تشرح زينة معبّرة عن خوفها من أن يعاني أطفالها في المستقبل القريب من سوء التغذية لأنها توقفت عن شراء الحليب وبعض الألبان والأجبان والأسماك المعلبة لغلاء أسعارها.

توصّلت الشركة الدولية للمعلومات، في دراسة أجرتها، إلى أن أسرة مؤلّفة من 4 أفراد، لو قررت اعتماد وجبات طعام متنوّعة يوميّاً فإنّ الكلفة الشهرية ستصل إلى مليونين و274 ألف ليرة، أي ثلاثة أضعاف الحد الأدنى للأجور. من جهتها، بدأت أسرة زينة بالفعل بتناول وجبتين فقط بدل ثلاث في اليوم.

أمور كثيرة حُرم منها أطفال الأسرة أيضاً كالنزهات، وشراء الألبسة الجديدة والألعاب، “كيف لي أن أؤمّن لهم هذه الحاجات، ونحن غير قادرين حتى على أخذهم لزيارة الطبيب بشكل دوري؟”، تضيف زينة بحرقة.

يتشارك وسيم (40 سنة) وزوجته العبء الثقيل ذاته، إذ يروي لـ”درج” تفاصيل جوانب حياتية أخرى طاولتها الأزمة بشكل كبير. “كنا نستخدم مدفأة الغاز في فصل الشتاء كونها الأكثر توفيراً، أما اليوم ومع ملامسة سعر قارورة الغاز 400 ألف ليرة صارت البطانيات وسيلة التدفئة الوحيدة الممكنة”. ويؤكّد أنه سيضطر مرغماً إلى قطع اشتراك مولد الكهرباء الخاص عن منزله الشهر المقبل بعدما تجاوزت تسعيرة الأمبيرات الخمسة (تفوق كلفتها مليون ليرة لبنانية) قيمة راتبه الشهري.

شبح الفقر يخيّم أيضاً على منزل العم أحمد (80 سنة)، وهو من موظفي الدولة المتقاعدين الذين لا تتجاوز رواتبهم التقاعدية عتبة المليوني ليرة (نحو 60 دولاراً بحسب سعر الصرف الحالي). يعاني أحمد وزوجته الثمانينية من أمراض مزمنة كالسكري والضغط وأمراض القلب: “قبل الأزمة، كانت فاتورة الدواء الخاصة بي وبزوجتي لا تتعدّى 450 ألف ليرة شهرياً، الأدوية نفسها اليوم إن وجدت صار سعرها بحدود 5 ملايين ليرة”، يقول العم أحمد لـ”درج”، “كل تلك الأدوية ضرورية ولا يمكننا التوقف عن تناولها، وأهمها إبر الأنسولين مثلاً وسعر العلبة 700 ألف ليرة بعدما كان 79 ألف ليرة”.

يخاف الرجل الثمانيني من برد الشتاء القارس في البقاع، حيث يعيش، فهو ينذر بفصل جديد من الشقاء الذي لا ينتهي. “برميل المازوت الذي كنت أشتريه بـ200 ألف ليرة شهرياً صار بـ3 ملايين ليرة. بت أحتاج مساعدة مادية من أبنائي حتى لا أتجمّد من البرد أنا ووالدتهم”، إلّا أن أبناء أحمد بدورهم يتقاضون رواتبهم بالليرة اللبنانية وهم بالكاد قادرون على إعالة أسرهم، ولا وسيلة تدفئة أخرى متوفرة في الجبال في ظل الانقطاع الدائم للكهرباء، ورفض أصحاب المولدات الكهربائية تركيب العدادات التي تسمح للمواطنين بترشيد استهلاكهم: “أيُعقل أن تتجاوز تسعيرة المولد نصف راتبي؟ أيعقل أيضاً أن تستمر الدولة العاجزة عن تأمين التيار الكهربائي لساعة كاملة في إرسال جابيها بكل وقاحة لنسدد له الفواتير؟”.

برغم ذلك، يبقى الهاجس الأكبر لدى العم أحمد أن يضطر وزوجته إلى دخول المستشفى، إذ لن تتمكّن تعاونية موظفي الدولة من تغطية تكاليفه الباهظة، “سأفضّل عندها أن أموت في منزلي على أن أُذلّ في آخر أيامي”.

وكان أحمد قد تسجّل على المنصة الخاصة بالبطاقة التمويلية التي وعدت فيها الدولة اللبنانية مواطنيها منذ سنة، ولكن وبعد المماطلة المشبوهة في اطلاقها، أدرك أحمد أنه متروك ليواجه شيخوخة مرّة تغيب عنها أدنى مقوّمات الحياة الأساسية.

“لم نذق طعم اللحوم والدجاج منذ أشهر طويلة”، يؤكد العمّ الثمانيني: “عم ندوق الموت بس”.

بحسب وزارة الشؤون الاجتماعية، وصل عدد الأسر اللبنانية المسجّلة على شبكة “دعم” للحماية الاجتماعية إلى نحو 410 آلاف أسرة، أي أن هناك مليوناً و600 ألف فرد لبناني في مختلف المناطق غير قادرين على مواجهة أهوال الأزمات المتفاقمة من دون دعم ماديّ مباشر، وإذا ما أخذنا في الاعتبار أعداد الأفراد الذين لم يتسجّلوا، فمن المؤكد أن تكون النسبة أعلى من تلك التي أعلنتها الوزارة بأشواط، بخاصّة بعدما قارب عدد العاطلين من العمل في لبنان 500 ألف، وفق “الدولية للمعلومات”.

تؤكدّ محاسن مرسل، وهي صحفية وباحثة اقتصادية، لـ”درج” أن “معدلات الفقر المتعدد الذي يطاول الغذاء والسكن والنقل والطبابة في البلاد ستشهد المزيد من الانفلاش، مع ما نشهده من ذوبان شبه كامل للطبقة المتوسطة لتحل مكانها طبقة فقيرة تنعدم قدرتها الشرائية بسبب المنحى التصاعدي المتسارع الذي يتخذه الدولار أمام الليرة”.

تشير مرسل إلى أن معدلات السرقة ازدادت 134 في المئة، في مؤشر خطير على انعدام الأمان والأمن الاجتماعيين: “رح تصير الناس تسرق لتاكل”، تقول الباحثة الاقتصادية، “ومن المرجح أن تزداد معدّلات الجرائم وحالات العنف الأسري بحق النساء والأطفال بسبب تراكم الأزمات الصحية والاقتصادية والضغط المعيشي غير المسبوق الذي يعيشه اللبنانيون”.

انهيار العملة الوطنية لا يهدد القدرة الشرائية وحسب، بل يضرب كل مؤسسات الدولة وموظفيها وعناصرها الأمنية وأهمها مؤسسات الضمان الصحي والمرافق الخدماتية والاستشفائية، بحيث تصبح غير قادرة على تلبية احتياجات المواطنين وتسيير شؤونهم بسبب ارتفاع تعرفة المواصلات وانقطاع الكهرباء والمحروقات والتدني الكبير في قيمة أجور موظفي القطاع العام: “حتى البطاقة التمويلية ومبلغ 126 دولاراً القادر على سد بعض حاجات الأسر الفقيرة لم تتمكن الدولة من تأمينهما بعد، لأسباب بعضها سياسي وبعضها الآخر متعلق بغياب التمويل” تقول مرسل.

تغيب الدولة إذاً، في ظل مجلس وزراء معطّل بفعل الكيدية السياسية وربط اجتماع الحكومة بتطيير العدالة في قضية انفجار مرفأ بيروت. ولا توجه رسمياً حتى الآن للعمل على الحد من تداعيات الأزمة، بل تبدو الطبقة السياسية مستفيدة من انهيار العملة وتدهور الاوضاع المعيشية للناس، لتزيد من الزبائنية وتعمل على شراء الأصوات في الانتخابات المقررة في منتصف أيار/ مايو المقبل، بأبخس الأسعار.

المصدر : نور سليمان- درج

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى